الكريم هو اسم جامع لمعاني البر كلها في أسمى صورها وأرقى معانيها ومحيط بنواصي العظمة جميعها.

وسمى الله جل جلاله نفسه الكريم، ليشعر عباده بأنه أرحم بهم من أنفسهم على أنفسهم، فهو ربهم والرب من شأنه أن يكون كريماً على من يربيه ويصطفيه لعبادته.

ووصف نفسه في أول آيات أنزلها على خير خلقه محمد عليه الصلاة والسلام فقال جل شأنه: « اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم».

والأكرم: هو صاحب الكرم المطلق ليس لأحد من خلقه فيه شيء فالخير كله منه وإليه والشر ليس منه ولا هو راجع إليه. «قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب».

ومالك الملك من شأنه أن يكون كريماً بلا حدود على كل موجود لأنه مستغن بذاته عن جميع مخلوقاته.

والإنسان إذا خلا بنفسه وحكم عقله وسبح به في الوجود سبحات، وعاد بعد هذه السبحات إلى نفسه يعدد عليها ما أولاها مولاها من النعم أدرك أنه محاط بعنايته عز وجل مغمور بكرمه الواسع، فلا يسعه إلا أن يشكر له حسن صنيعه به، وعظيم مننه عليه.

وعندئذ يتلاشى عن نفسه الشعور بنقصان النعم عنده، والإحسان بالحرمان مما يراه عند غيره فلا يسعه إلا الرضا بقضائه وقدره، والإيمان الكامل بعدله في حكمه وقسمته والعلم بأن النعم مقسومة بنسبة متساوية بين العباد جميعاً، فما من مرفوع في شيء إلا وهو مخفوض في شيء آخر.

فهذا لديه علم غزير، وذاك لديه مال كثير، إلى آخر ما هناك من وجوه العطاء والحرمان. وتلك سنة الله في خلقه قد بينها بقوله في محكم آياته: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون).

فالرفع والخفض قائمان على الحكمة والعدل المطلق، إذ لولا تفاوت الناس في النعم ما استطاع أحد أن يسخر أحداً لخدمته فلابد من أن يكون لهذا من القدرات المادية والمعنوية ما ليس لذلك، والكرم يقضي بذلك أيضاً، فإن الكريم من شأنه أن يدبر شؤون عباده تدبيراً تاماً ليتحقق لهم من وراء هذا التدبير المحكم ما يحتاجون إليه من شؤون الدين والدنيا.

ومن شأن المدبر الحكيم أن يضع الأمور في موضعها بفضله وكرمه فيعطى كل امريء ما ينفعه ويمنعه مما يضره وهو أعلم به من نفسه. (إلا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير).

والإنسان لجهله يطلب من الله أحياناً ما يضره ولا ينفعه فلو استجاب الله له لهلك فكان من كرمه وجوده أن يجود عليه بما فيه صلاح أمره في دنياه وآخرته إذا كان هذا الإنسان أهلاً لذلك « ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولاً».

فالكريم: هو العزيز الذي يعطي بغير حساب ومن غير مسألة وبلا مقابل، ويعفو عمن أساء وظلم، ولا يحوج عباده إلى الوسائل التي تعينهم على تحقيق حوائجهم إذا ما توسلوا إليه بالدعاء والتقوى فهو لا يضيع من توسل به والتجأ إليه «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون».

والوسيلة التي يبتغيها المسلم للتقرب من خالقه ومولاه: هي امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، عملاً بقوله تعالى: «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب».

رجاء علي