قال الشيخ: لا يعيش الإنسان منا وحيدا وإنما يعيش ضمن جماعة أو جماعات ويمارس دورا أو عدة أدوار، والناس من حوله لهم إرادات ورغبات، ومواقف واتجاهات، ومطامع وتطلعات ومبادئ ومعتقدات والمرء قد يتفق مع من حوله في هذا وقد لا يتفق، ومنه قد تنجم الصراعات التي قد تؤدي إلى أشد الابتلاءات. ولنعد إلى من فتنوا في دينهم كأصحاب الأخدود، وبلال وعمار وياسر رضي الله عنهم أجمعين ، كيف سامتهم أقوامهم سوء العذاب فكان ذلك ابتلاء في دينهم صبروا عليه فاستحقوا أعلى الدرجات.
والفتنة في الدين لا تزال قائمة ما توقفت في زمان ولا يزال الناس يفتنون في دينهم بالقسوة واللين، وبالترغيب والترهيب وبالعطاء والحرمان، ونحن اليوم في زمان قال فيه الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم إن القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، حيث تداعى الشرق والغرب على الإيقاع بالمسلمين أو البطش بهم أو سرقة ثرواتهم، أو زحزحتهم عن دينهم ، ولا يزال نفر من (أمة لا اله إلا الله) صابرين على الأذى حتى يقضي الله فيهم أمرا.
والخلاف والاختلاف قد لا ينحصران في الدين ، فبين كل زوجين، وفي كل أسرة وبين كل أخوة، وفي أماكن العمل وفي مجالس الناس، وبين كل أب وابنه، ومدير ومن تحته وراع ورعيته ؛ قد يقع الخلاف الذي يؤدي إلى الاختلاف، وقد يقع الصراع وهو من ألوان الابتلاء الذي قد يكون ثقيلا، على النفس مرا في الفم كأنه الحنظل.
إن في الموافقة ارتياح واطمئنان، وفي المخالفة نزاع قد لا يقل شدة وفتنة عن أي بلاء آخر، ثم انظر إلى ما يعرض للإنسان من مواقف قد يطلب فيها أن يوافق غيره في محرم من رشوة أو شهادة زور أو تواطؤ على ظلم أحد؛ فان وافقهم في ذلك سرهم وأغضب ربه، وقد ينتقم منه الحق سبحانه وتعالى في الدنيا قبل الآخرة، وان خالفهم قد يذوق طعم المخالفة مرارات تنعكس عليه وعلى أسرته ومن حوله، والحديث عن الصبر سهل ميسر على كل لسان، أما معاناته ومعالجته فهي مما يزلزل الأرض تحت أقدام أعظم الرجال. نسأل الله العصمة في الدين والدنيا ثم ان أمر الدين كله قائم على الابتلاء، اذ مما يعنيه الصبر على الطاعات والصبر عن الشهوات المحرمات، والتعفف عن الرذائل والتمسك بالفضائل، وقد تكون هذه الأمور في بدايات الطريق عسيرة، لذلك كثيرا «ما نرى الناس يفرون مؤثرين التفلت على الالتزام، والخوض في اللذائذ عن تجنب الحرام، وتلك هي العقبة التي ذكرها القرآن الكريم:( فلا اقتحم العقبة، وما أدراك ما العقبة).
ويتستر عبيد الهوى من أمثال هؤلاء بالشعارات والفلسفات، وبالنظريات والخزعبلات، ولو أنهم صبروا قليلا» على الطاعة وعن المعصية لأفرغ الله في قلوبهم حلاوة الإيمان وعذوبة التسليم والسلام.
انظر إلى تاريخ الشعوب على الأرض منذ أن وجد قابيل وهابيل وحتى اليوم، تجد الاختلاف بوابة مرعبة لجهنم من الصراع والاقتتال والبلاء، ولا يزال الضعفاء والفقراء يسحقون ويطحنون بالجوع والعطش والدين الذي لا يؤدي إلا إلى الدين، وقد يقصفون بالنيران ويذبحون كالأبقار والثيران، لصالح قلة قليلة هي الفئة الباغية.
وقد رأينا في الأزمة الأخيرة صورا من بشاعة الحرص والشح في الإنسان، فلما حدثت الأزمة المالية وقلت الأرباح مع بقائها وفيرة بفضل الله راح الكثيرون يسرحون من موظفيهم أصحاب الكفاءات والخبرات والعمل بدأب لسنوات دون أن يأبهوا لأحوالهم أو يقدروا سنوات خدمتهم، فكيف لو كانت الخسارة، وكل ما في الأمر أن ربحهم قد قل.
فأذاقوا من أربحهم طعم الذل، وباختصار فان الاختلاف في الطبائع والمنازع والأهواء والمعتقدات أصل كبير من أصول البلاء.
ماهر سقا أميني
