الفساد في أي مجتمع يبدأ بآفة تنخر في جسده لتتمدد بعد ذلك وتصبح واقعًا يصعب تغييره.. لنبدأ رحلة النهاية.. هكذا الحال مع الرشوة التي فرضت نفسها على المجتمع تحت مسميات عديدة، بشكل باتت فيه إحدى صور الفساد في المجتمع، فكيف تعامل الإسلام مع هذه القضية الخطيرة، وهل تختلف الرشوة طبقا لمسمياتها وهل هناك رشوة مقبولة تحت ضغط الظروف وأخرى محرمة تماما؟.. تفاصيل أكثر في سياق السطور التالية:
د. معاذ عبدالله أستاذ الحديث بكلية أصول الدين، جامعة الأزهر يؤكد أن موقف الإسلام من الرشوة هو التحريم القاطع باعتبارها تدخل ضمن كبائر الذنوب، حتى إن أخذت مسميات أخرى مثل «الإكرامية» أو «العمولة» أو «الهدية»؛ لقوله صلى الله عليه وسلم «هدايا العمال غلول»، حيث عبر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن الرشوة بالغلول أي الخيانة، وبالتالي فإن ما يأخذه الموظف من المتعاملين معه بسبب وظيفته هو رشوة بغض النظر عن مسمياتها.
يفسر د.معاذ تزايد الرشوة في المجتمع بعدد من الأسباب يأتي على رأسها الخلل التنظيمي في بعض المؤسسات وطمع بعض الموظفين للكسب الحرام وهذا يرجع بدوره إلى انعدام الضمير وضعف الدين وتراجع فرص حصول الشخص على حقه، فضلاً عن صعوبة الإجراءات الإدارية وتعقدها، مشيرًا إلى أن هناك عواقب وخيمة تعود على المجتمع جراء انتشار هذه الآفة التي نهانا الله عنها لقوله سبحانه وتعالى (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا منْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
ويرى د.معاذ أن أهم العواقب الوخيمة التي تعود على المجتمع نتيجة شيوع الرشوة سيادة الفساد في كل قطاعات المجتمع وانهيار أخلاقياته، وبالتالي انهياره اقتصاديًا، وهو ما ينذر بعواقب لا تحمد عقباها.
الرأي السابق يؤكده ويشدد عليه د. عبد الفتاح إدريس أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر مؤكدا أن القرآن والسنة يحرمان الرشوة على الإطلاق بنصوص قطعية الدلالة ليس فيها استثناء، وبالتالي فلا مجال لما ذهب إليه بعض العلماء من جواز دفع الرشوة للمضطر الذي لا سبيل له للحصول على حقه إلا من خلالها.
يوضح د.إدريس أن الله تعالى ذم اليهود لأكلهم السحت، الذي يعتبر الرشوة أحد أنواعه لقوله سبحانه وتعالى (وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ* لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).. وقال تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا* وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ...).
يضيف إن التراخي في مواجهة هذه الآفة الخطيرة أدى إلى تفاقمها واستفحالها، بحيث أصبحت شيئًا مألوفًا ووسيلة متعارفاً عليها لتحقيق المصالح بين المواطنين، وهو ما ينذر بعواقب وخيمة مثل نشر الفساد وزعزعة القيم الأخلاقية القائمة على الأمانة والمساواة وتكافؤ الفرص والعدل، إضافة إلى انتشار الجرائم وانتشار اللامبالاة، وغيرها من العواقب الأخرى التي تهدد بهدم المجتمع.
ويشير د. عبدالغفار هلال عميد كلية الدراسات العربية جامعة الأزهر سابقًا إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: « كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به، قيل: وما السحت؟! قال: الرشوة في الحكم»، موضحاً أن هذا الحديث يدل على تحريم الرشوة تحريمًا قاطعًا، بغض النظر عن الأسباب التي قد تدفع الإنسان إلى دفع رشوة لتحقيق مصالحه، باعتبار ذلك يدخل في نطاق التعاون على الإثم، وقد قال الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [المائدة:2].
ويؤكد أنه لا يوجد أي مبرر قد يدفع الإنسان لتقديم الرشوة فالضرورة التي قد تبيح المحظور في هذه الحالة غير متوافرة، حيث أجمع علماء الأمة على أن هذه الضرورة هي التي لو لم يرتكب فيها المحرم لهلك الشخص أو عضو من أعضائه، وليس مجرد الخوف من ضياع الحق ما لم تدفع الرشوة.
ويشير إلى أن المشاركين في الرشوة وهم الراشي والمرتشي والرائش بينهم من المفسدين في الأرض الذين تجب ملاحقتهم ومعاقبتهم عقابًا شديدًا؛ لأن سلوكياتهم تسبب اضطرابًا في المعاملات والعلاقات وتهدد استقرار المجتمع وينطبق عليهم قول الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
ويؤكد أن انتشار وباء الرشوة يؤدي إلى الظلم الاجتماعي وحرمان الضعيف الذي لا يستطيع تقديم الرشوة من حقه المشروع، في الوقت الذي يحصل فيه ذو الجاه والسلطان على حقه، وربما يعتدي على حق الضعيف والفقير، وهو ما يؤدي إلى انتشار الحقد والكراهية بين الناس.
ويشير د. صلاح الدين فهمي أستاذ الاقتصاد الإسلامي إلى أن الرشوة هي كسب بلا جهد ولا تمثل قيمة مضافة إلى اقتصاد الدولة، كما أنها إهدار لمال الناس دون عائد، وبذلك لا يمكن أن تحدث تنمية اقتصادية بالمفهوم السليم، موضحًا أن الأموال التي تقدم للمرتشين لو وجهت إلى مشروعات استثمارية لتشغيل العاطلين لتحققت التنمية الشاملة.
ويوضح أن هناك أسباباً عديدة قد تخلق تربة خصبة لشيوع الرشوة في أي مجتمع منها عدم التزام العامل أو الموظف بالقيم الإيمانية وكذلك الأخلاقية، إضافة إلى عدم وجود نظم فعالة للمتابعة والمراقبة من الرؤساء أو التهاون في تطبيقها، علمًا بأن الرقابة من موجبات ومقومات العمل الإداري في الإسلام..
ويشير إلى سبب آخر لانتشار الرشوة وهو غياب تطبيق نظام العقوبات في الشريعة الإسلامية متى توافرت الأركان أو على الأقل الالتزام بنظام العقوبات في القوانين السائدة دون تهاون أو مجاملة لقوله تعالى: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
وتطالب د.زينب الأشوح بتطبيق المنهج الإسلامي لمعالجة الرشوة، حيث يقوم هذا المنهج على عدة أسس، منها التربية على القيم الإيمانية مثل استشعار المراقبة من الله والمحاسبة يوم القيامة أمام الله العادل مالك الملك الذي يرد الحقوق المغتصبة إلى أصحابها، وكذلك التربية على القيم الأخلاقية، التي تقوم على استشعار أن العمل عبادة وأمانة ومسئولية، إضافة إلى الالتزام بالسلوك السوي المستقيم.
ويقوم المنهج الإسلامي في معالجة الرشوة أيضًا- والكلام للأشوح- على وجود نظام رقابة فعال لمتابعة أداء مصالح الناس، والتأكد من أن كل فرد يؤدي عمله وفق شرع الله وطبقًا للقوانين المدنية المنظمة المتفقة مع شرع الله، فضلاً عن تطبيق نظام الثواب والعقاب القائم على العدل والمساواة.
وتؤكد الأشوح على ضرورة توعية الموظفين والعمال إلى الالتزام بالقيم الإيمانية والأخلاق، من خلال البرامج التليفزيونية والمحاضرات والندوات والكتيبات، فكلما زاد التزام الناس بشرع الله قل الفساد الاجتماعي والاقتصادي والإداري.

