لا يزال الكلام موصولا عن غض البصر وأهميته، وإن الذي ينظر في سيرة سلفنا الصالح يجد أنهم كانوا يبالغون في غض البصر؛ حذراً من الفتنة، وخوفاً من الوقوع في المعصية. قال ابن مسعود رضي الله عنه: ما كان من نظرة فإن للشيطان فيها مطمعة. وكان الربيع بن خثيم رحمه الله يغض بصره فمر به نسوة فأطرق حتى ظن النسوة أنه أعمى، فتعوذن بالله من العمى!

إن الذي لا يغض بصره ويطلق بصره في الحرام يعيش في آلام وحسرات وزفرات، وتكون عليه العقوبات في الدنيا والآخرة، فمن هذه العقوبات: فساد القلب، فالنظرة كالسهم المسموم الذي يصيب القلب فإن لم تقتله جرحته، فيسري السم في الجسم، فتشغل فكرا وتورث هما وتبذر شهوة فتزرع معصية.كما أنه يورث نسيان العلم، فقد نسي أحد العباد القرآن بسبب نظرة محرمة، وهو سبب لنزول البلاء، قال عمرو بن مرة: نظرت إلى امرأة أعجبتني فكف بصري، فأرجو أن يكون ذلك جزائي. ومن عقوباته أيضاً أنه يورث الغفلة عن الله والدار الآخرة، فإن القلب إذا شغل بالمحرمات أورثه ذلك كسلاً عن ذكر الله وملازمة الطاعات.

ومما يدل على شدة عقوبة النظرة المحرمة أن الشارع أهدر عين من تعمد النظر المحرم لعورات المسلمين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لو اطلع أحدٌ في بيتك ولم تأذن له فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح). متفق عليه.

وفي المقابل فإن لغض البصر عن الحرام فوائد عديدة وعطايا جليلة ذكرها أهل العلم، فمن تلكم الفوائد:

تخليص القلب من ألم الحسرة، فإن من أطلق نظره دامت حسراته، واستمرت آلامه وزفراته، فيرى العبد ما ليس قادراً عليه ولا صابراً عنه، وهذا من أعظم العذاب، كما أنه يورث القلب نوراً وإشراقاً، يظهر في العين وفي القلب وفي الجوارح، كما أن غض البصر يستشعر به المسلم حلاوة الإيمان ولذة المجاهدة وفرحة الانتصار على بواعث الشهوة ورسل الهوى، وهذه هي سيما الرجولة الحقة، سمو عن الدنايا، وتطهر من الأدناس، وتحرر من الاسترقاق، ونهضة للمعالي.

ومن فوائد غض البصر أنه يورث صحة الفراسة، قال بعض العلماء: من عمر ظاهرة باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن الحرام، وكف نفسه عن الشهوات، وأكل من الحلال، لم تخطئ فراسته، وسر هذا أن الجزاء من جنس العمل، فمن أمسك بصره عما حرم الله أطلق الله نور بصيرته وقلبه فرأى به حقيقة الأمور.كما أن غض البصر يخلص القلب من أسر الشهوة، فإن الأسير هو أسير شهوته وهواه، ومتى أسرت الشهوة والهوى القلب تمكن منه عدوه فسامه سوء العذاب.

فيعلم كل مؤمن ومؤمنة أن البصر نعمة من نعم الله عليك، فلا تعصه بنعمه، وابتعد عن الحرام تربح، واحذر أن تكون العقوبة سلب تلك النعمة، قال تعالى (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به)، وتذكر أن كل زمن الجهاد في الغض لحظة، فإن غضضت بصرك نلت الخير الجزيل وسلمت من الشر الطويل، وإن مما يساعد المسلم على غض البصر، تقوى الله عز وجل والخوف من عقابه والتخلص من الأسباب التي تؤدي إلى النظر المحرم كأماكن اختلاط النساء، وكذلك بدفع الخواطر والوساوس قبل أن تصير عزماً ثم تنتقل إلى مرحلة الفعل، فمن غض بصره عند أول نظرة سلم من آفات لا تحصى، فإذا كرر النظر فلا يأمن أن يزرع في قلبه شوكاً يصعب قلعه بعد ذلك، ولهذا قيل الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده.

ومما يساعد على غض البصر التمتع بما أحله الله عز وجل من شهوة مباحة، فعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعت عينه على امرأة، فأتى زينب فقضى منها حاجته، وقال (إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأتِ أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه) رواه مسلم.

وعلى كل مسلم ومؤمنة أن يكثروا من الدعاء والاستعانة بالله عز وجل وسؤاله النجاة من شر فتنة النظرة المحرمة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يقول (اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي ومن شر بصري ومن شر لساني ومن شر قلبي) رواه أبو داوود.

عادل حسن المرزوقي رئيس قسم الحج والعمرة بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي