يطرق بابك شخص أنيق يرتدي ربطة عنق من النوع الفاخر ويحمل حقيبة مكتظة بكافة أنواع طلبات البنوك.. قروض، تمويل سيارات، تمويل عقارات، قروض شخصية، بطاقات ائتمانية، سحب على المكشوف، أو المغطى، موافقة سريعة ومضمونة، أقل نسبة فائدة، تأمين مجاني، أول قسط بعد 6 شهور إمكانية التأجيل إلى ما لا نهاية، قرض سريع، وآخر بطيء.. إلى آخر قائمة المغريات، ابتسامة التشجيع التي ترتسم على وجهه تعكس ثقة لا نهاية لها، وتدفعك إلى شراء منتجاته حتى ولو لم تكن في حاجة فعلية لها.

وفي بعض الأحيان تتصل بك على هاتفك المتحرك آنسة تقدم إليك بصوتها الناعم عروضاً لا تقاوم تخرج منها بقناعة مفادها أن هذا البنك يحبك حباً جمّاً ويتمنى لك رغد العيش ويقدم لك هذه العروض فقط لسواد عينيك.. وبعد انتهاء شهر العسل، وإذا تأخرت عن سداد المستحقات الشهرية المثقلة بالفوائد والرسوم والأقساط، تنهال عليك المكالمات وتحاصرك التحذيرات، وتتغير لهجة المندوب من الاستعطاف إلى التهديد والوعيد وترتيب المواعيد.ومع تشابك العلاقة وتعقيداتها بين العميل والبنك وتمسك كل منهما بحقوقه، تظهر في الأفق تساؤلات تتعلق بهذه التفاصيل..

هل يعتبر التعاقد بين العميل وأحد البنوك نهائياً أم أنه قابل للتعديل؟ وهل البنك وحده هو صاحب الحق في تعديل الشروط والأحكام أم أن العميل شريك في ذلك؟..ومن يحدد أسعار الفائدة التي تختلف بين مصرف وآخر؟ وهل للبنك المركزي رقابة على هذه الأسعار؟ وكيف تتأثر حياتنا الاجتماعية كعملاء بالتعديلات في أسعار فوائد القروض والبطاقات الائتمانية؟

تغير الأسعار

يرى عدنان المهيري أن أسعار الفوائد والرسوم على الخدمات المصرفية تختلف من بنك لآخر، وعلى الرغم من أن هذا الاختلاف لابد أن يصب في صالح العميل، إلا أن العكس هو ما يحدث، فعندما تحصل على إحدى الخدمات لا يضمن التعاقد الذي تقوم بتوقيعه مع البنك أي ثبات للأسعار، ففي أي وقت يستطيع البنك زيادة أسعار الفائدة.

وفي حالة قيامك بتحديث الخدمة أي تجديد القرض الشخصي مثلاً أو رفع سقف البطاقة الائتمانية، يقوم البنك بوضع سعر فائدة جديد للمنتج الذي يبيعه لك على اعتبار أنك تشتريه شراء جديد بصرف النظر عن التعاقد القديم والسعر السابق وأيضاً على اعتبار أنك مرغم على التعامل معه.

ويضيف المهيري أنه تعاقد مع أحد البنوك على الاستفادة من قرض شخصي بمبلغ معين وبسعر فائدة قيل له إنه سعر تنافسي، وبعد فترة أراد رفع القيمة فوضع له البنك سعرا جديدا أعلى من السعر السابق، وعندما استعلم عن شروط سداد المبلغ السابق وإنها المديونية فاجأه المسؤولون في قسم التمويل الشخصي بأن السداد المبكر يستلزم غرامة قيمتها 2% من إجمالي قيمة المبلغ إذا كان السداد من حر ماله وما قيمته 5% إذا كان السداد من بنك آخر يقوم بسداد المديونية.

يؤكد عدنان أن التعامل مع البنوك في القروض الشخصية والكروت الائتمانية يؤدي إلى الكثير من المشكلات الاجتماعية، خاصة إذا كانت أسعار الخدمات في ارتفاع مستمر والرواتب مستقرة عند حدود معينة لا تبارحها.

الرقابة

يتساءل عدنان عن الجهات الرقابية المنوط بها مراقبة أداء البنوك والتحقق من التغيرات في أسعار الفوائد والخدمات المصرفية الأخرى، وهل هذه الرقابة تراعي مصالح الطرفين؟

ويشير إلى أنه استخدم بطاقة ائتمانية تابعة لأحد البنوك لفترة قصيرة، وفوجئ بعدها بخطاب من البنك يخطره بزيادة أسعار الفائدة، وعندما اعترض على أساس وجود اتفاق مسبق وسعر محدد في التعاقد لا يجب تغييره إلا في حالة تعاقد جديد، أخبره المسؤولون بأن الوسيلة الوحيدة لتفادي السعر الجديد هي سداد كامل المديونية على دفعة واحدة، وبالطبع يعتبر هذا الشرط تعجيزياً لأنه لو حاز كامل المبلغ لقام بسداده والتخلص من الخدمة بأسعارها القديمة والجديدة معاً.

الرسوم الخفية

تؤكد بثينة عبد اللطيف أن التعامل مع البنوك يتطلب الاطلاع على شروط المعاملات وقيمة رسوم الخدمات التي يقدمها البنك للعميل تفادياً للوقوع في الأخطاء التي يترتب عليها المزيد من الرسوم، علاوة على إخفاء الرسوم الحقيقية إلى حين إتمام العميل فتح حسابه.

فيما يعرفه العملاء بـ (الرسوم الخفية) والمعروف أن معظم البنوك تضع هذه الشروط باللغة الإنجليزية وبحروف صغيرة بالكاد تستطيع قراءتها، وغالباً توضع في خلف صفحة الطلب الذي يقوم العميل بتعبئته وبالتالي لا يتسنى له الحصول على نسخة منها لمراجعتها قبل تقديم طلب القرض أو البطاقة الائتمانية.

وتضيف أن أسعار الفوائد على الخدمات المختلفة التي تقدمها البنوك تتغير من وقت لآخر وأحياناً بدون إبلاغ العميل، مع أن من الواجب وضع كل المعلومات عن الخدمة أمام العميل لإعطائه الفرصة للاختيار وللمقارنة مع البنوك الأخرى، وتقول: «لو توافرت لي المعلومات الكاملة لاستطعت أن أستبدل الخدمة من بنك لآخر تبعاً لمصلحتي كعميل أبحث عن خدمة أفضل بأسعار أقل».

وتشير إلى أن الاستعلام عن أية تفصيلات في كشف الحساب يستلزم تقديم طلب خلال فترة محددة للمطالبة بالتوضيح اللازم، ويسقط حق العميل في هذه المطالبة إذا مرت الفترة الزمنية التي قررها البنك، والعكس صحيح إذا كان التوضيح أو المطالبة لصالح البنك وليس العميل، إذ لا يتقيد بأية فترات زمنية لتصحيح الأوضاع.

سوء التعامل

وتنفي استخدامها لأية خدمات تمويلية من البنك بعدما شاهدته من سوء التعامل مع أصحاب القروض والبطاقات الائتمانية حال تعثرهم عن السداد وتأخرهم عن إيداع الأقساط المستحقة في المواعيد المحددة حتى أن أحد الزملاء لم يستطع مقابلة أي مسؤول من البنك لتقديم شكوى في هذا الخصوص عندما توجه إلى الفرع الرئيسي للبنك الذي يتعامل معه حيث أخبروه أن المكالمات الهاتفية هي الوسيلة الوحيدة للتواصل مع المسؤولين في البنك.

إغراءات

يقول محمد مصطفى إنه تقدم إلى البنك الذي يحول إليه راتبه ليطلب قرضاً صغير القيمة يحتاجه لشراء أثاث لبيته، ورغم أن قيمة المبلغ الذي طلبه لم تتجاوز 15 ألف درهم، إلا أن المسؤولين في القسم المختص أبلغوه أن الحد الأدنى المحدد من قبل البنك للحصول على قرض شخصي هو 25 ألفاً، فوافق بعد الاتفاق على سعر الفائدة، ومع مرور الوقت زادت الأعباء المالية المستحقة للبنك وأصبحت أسرته متأثرة بهذه الالتزامات الشهرية واضطر إلى نقل الأبناء إلى مدارس أقل في الرسوم.

ينصح مصطفى الشباب بعدم الانقياد وراء مغريات الخدمات المصرفية التي يروج لها مندوبو هذه البنوك لأن هذه المغريات في ظاهرها الرحمة وفي باطنها العذاب والارتباط بالسداد مدى الحياة لأن الدائرة تكتمل بالتعثر في السداد ثم طلب تأجيل القسط الذي يتطلب سداد رسوم إلى البنك، مع غرامة تأخير تضاف على إجمالي المبلغ، مما يرفع سعر الفائدة ويؤخر السداد الكامل وهكذا، دوامة لا تنتهي.

يضيف أنه حاول نقل قرضه الشخصي من بنك لآخر للاستفادة من فارق سعر الفائدة، ولكنه فوجئ أن البنك يطالبه بسداد 5% إضافية من إجمالي قيمة المبلغ تضاف إلى المديونية، مما يعني أن انتقاله إلى بنك آخر لن يفيده بشيء.

واضطر إلى الرضوخ إلى شروط البنك وعدم تحويل حسابه. ويأسف محمد لما يقوم به بعض مندوبو البنوك من الترويج لمعلومات غير صحيحة من شأنها إغراء العميل بالحصول على خدمات مصرفية لا يحتاج إليها فعليا.

ويقول إنه خلال محاولاته تحويل حسابه كان يجهز لهؤلاء المندوبين كل المستندات المطلوبة لتقديمها إلى البنك للحصول على الموافقة ثم يفاجأ برفض المعاملة من البنك، ومع أن المندوب يعرف مسبقاً أن الحالة لا تنطبق عليها شروط الحصول على الخدمة، إلا أنه يطلب المستندات من العميل ويقدمها لرؤسائه لكي تحتسب له ضمن إنتاجيته الشهرية من دون تقديم خدمة فعلية للعميل، وربما تكون هذه هي أسوأ ما يمارسه هؤلاء.

ضوابط قانونية تضمن حقوق المتعاملين مع البنوك

يقول يوسف الشريف رئيس لجنة الشؤون التشريعية والقانونية في المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة: بطاقات الائتمان هي من قبيل القرض المصرفي الذي يمنحه البنك للعميل مقابل أن يسدده بفائدة محددة القيمة أو غير محددة القيمة وذلك طبقاً لحكم المادة (409) من قانون المعاملات التجارية التي تنص على:

1- القرض المصرفي عقد بمقتضاه يقوم المصرف بتسليم المقترض مبلغاً من النقود على سبيل القرض أو بقيده في الجانب الدائن لحسابه المصرفي وفق الشروط والآجال المتفق عليها.

2- ويجوز أن يكون القرض مضموناً بتأمينات.

3- ويلتزم المقترض بسداد القرض وفوائده للمصرف في المواعيد وبالشروط المتفق عليها كما أن بطاقات الائتمان تعتبر من الأعمال التجارية طبقاً لحكم المادة (410) من ذات القانون التي تنص «يعتبر القرض المصرفي عملاً تجارياً أياً كانت صفة المقترض أو الغرض الذي خصص له القرض». ومن ثم فإنه في ضوء ذلك يتضح الآتي:

أولاً: إذا كانت بطاقات الائتمان لمبلغ معين محددة الفائدة في العقد الذي أبرمه البنك مع العميل المقترض فإنه في هذه الحالة لا يجوز مطلقا للبنك أن يرفع الفائدة وإنما يجوز له أن يخفضها أو يلغيها حسب الحالة الاقتصادية وقرارات سياسة البنك ومدى حجم الأموال المودعة لديه.

ثانياً: إذا كانت بطاقات الائتمان لمبلغ معين غير محددة الفائدة في العقد الذي أبرمه البنك مع العميل المفترض ففي هذه الحالة يجوز للبنك أن يرفع الفائدة التي بدأت بها البطاقة في السحب، كما يجوز له أن يخفضها أو يلغيها حسب الحالة الاقتصادية أو سياسية البنك في ضوء حجم الأموال المودعة لديه.

أيمن حجازي