لطالما أن في «الحركة بركة» يبقى الحال على ما هو عليه.. معادلة بسيطة لا يطالها إلى الآن حل مقنع، معلمون يتنقلون بين مدارس متعددة طمعاً في تحسين الواقع المادي، يتركون مدرسة خاصة والعين على الحكومية، وربما تعترض طريقهم مدرسة خاصة أفضل فيبيتون فيها عاماً أملاً في الالتحاق بركب «التربية» العام المقبل.

وهي التي توفر رواتب تفوق في متوسطها معظم المدارس الخاصة، ناهيك عما تمنحه مدارس أبوظبي والعين والغربية من امتيازات إضافية في هذا الجانب.نهاية كل عام تستعيد معظم المدارس الخاصة أوراق معلميها لتعلم «ما لها وما عليها»، بعض المدارس تخسر عشرات آلاف الدراهم على معلمين لا ينتظرون فيها عاماً أو عامين، ومدارس أخرى تعيش حالة إرباك متواصلة بفعل تنقلات المعلمات اللواتي يطمعن بـ 50 درهما زيادة على رواتبهن السابقة.. المشكلة أكبر من كونها تتعلق بحركة معلمين اعتيادية. وهي واقع يبعث على القلق وعدم الاستقرار في مدارس خاصة كثيرة في الدولة. وهي التي لا تسمح لها إمكانياتها المادية بأن توفر للمعلمين رواتب تزيد على بضعة آلاف من الدراهم، لسبب أن الأقساط التي تجنيها من الطلبة هي الأخرى متواضعة، قياساً مع مدارس خاصة أخرى.

المدير يرفض تحدثنا إلى عدد من المعلمين رسا بهم الحظ في مدارس حكومية بعد كثير من الشد والجذب مع إدارات مدارسهم الخاصة، وقد أجمعوا على أنهم صبروا على التدريس سنوات مقابل أربعة أو خمسة آلاف درهم شهرياً، وهو ما دفعهم للبحث عن مقاعد لهم في التربية.. البعض، ولا سيما حديثي العهد في المدارس الخاصة، واجهوا رفضاً من المدير، مع العلم أنه لا يمكن للتربية أن تقبل معلماً بلا شهادة «لا مانع» من مدرسته.وفي النهاية كانت النتيجة الحتمية انتقال المعلم وإن اضطر للخضوع لاشتراطات مادية يفرضها المدير، إذ وصل الحد إلى أن يدفع البعض 15 ألف درهم «خلو رجل» للخروج إلى التربية. المدارس الخاصة تقول إنها تواجه تحديات صعبة يفرضها انتقال المعلمين المتسارع إلى الوظائف الحكومية.

والتربية تقر بذلك الواقع وتتعهد من جانبها بالتزامات قانونية وأدبية في قضية انتقال المدرسين للتخفيف عن كاهل المدارس الخاصة. تقدير مقبول بعض مديري المدارس الخاصة لجأوا إلى حلول ارتجالية لتلافي سلبيات تفرضها التنقلات، وذلك بقناعة مبدئية مفادها استقطاب معلمين من ذوي التقدير المقبول، لكون الوزارة لا تقبل تعيين معلمين بأقل من تقدير جيد، وذلك الخيار الذي بدا على صيغة مداعبة جادة تحاكي الواقع المفروض، ربما أصبح أو سيصبح قريباً خيار المدارس الخاصة محدودة الدخل. لكون المعلم صاحب التقدير «مقبول» هو الأثبت والذي يستمر في موقعه، وهو ما يمنح المدير ثقة المواصلة دون الحاجة لمقابلات وسفر وبحث عن معلمين لسد الشواغر التي تحدثها التنقلات المتواصلة في أكثر من اتجاه.

الدكتور عبدالرحمن عيسى مدير مدرسة الحصن الخاصة في دبي، أوضح أن تلك الفكرة وإن بدت على هيئة الدعابة، لكنها تحاكي الواقع بكل دقة، ومشكلة تنقلات المعلمين نهاية كل عام أو كل فصل تكاد تكون عامة، والطرف المتضرر الأكبر المدارس ذات الدخل المتواضع بفعل محدودية الأقساط التي تفرضها على الطلبة.

مشيراً إلى أن معلمين كثيرين يلتحقون بعد سنوات قليلة بمدارس خاصة أخرى تمنح رواتب أفضل نسبياً، وهي مشكلة عامة، حيث أن الواقع يقول «كل مدرسة توجد مدرسة أعلى منها في الرواتب»، وبالتالي لا يمكن أن نلحظ استقراراً للمعلمين، ولا يمكن رفض انتقال معلم لمدرسة أخرى، طالما هو يرغب.. لسبب بسيط، وهو أن التدريس الفعلي لن يوجد إلا إذا أراد المعلم، وإن فقد المعلم الرغبة في ذلك لن تجبره أبداً، وستخلق لنفسك مشكلات أخرى.

التنقل متاح

وأضاف أن المشكلة تكمن في أن وزارة العمل أتاحت حرية التنقل للجميع بين الوظائف حسب الفرص المتاحة، ولم يعد بمقدور المدرسة أن تحافظ على معلميها كما في السابق، لأن فرص التدريس برواتب أعلى متوفرة في مدارس أخرى.

والمعلم بطبيعة الحال يبحث عن تعديل أوضاعه المعيشية نحو الأفضل، لافتاً إلى أن المشكلة الأكبر تكمن في حجم الأقساط والدخل الفعلي للمدارس، فهناك مدارس خاصة كثيرة تلعب على وتر البهرجة والألوان وتأخذ أقساطاً خيالية من الطلبة.

وبالتالي يمكنها دفع رواتب أعلى بقليل واستقطاب خبرات أفضل، وتوجد مدارس أخرى تقدم نفس المستوى التعليمي بلا «ديكورات فندقية» كما تفعل «مدارس الألوان» ولكنها للأسف محرومة من أخذ نصف أو حتى ربع الأقساط التي تفرضها مدارس أخرى، وهذه مشكلة بحد ذاتها تضع مدارس كثيرة في خانة الضرر.

خسائر التنقلات

الدكتور محمد روبين إدريس المدير العام للمدارس الأهلية الخيرية في دبي، أكد أن هذا العام فقط خسرت المدرسة ثمانية معلمين انتقلوا لمدارس الحكومة، وفي العام الماضي بلغت قيمة الخسائر نحو 120 ألف درهم بعد تخلي عدد من المعلمين عن مواقعهم في المدرسة وانتقالهم لوظائف أخرى، لافتاً إلى أن التربية تفرض على المعلم أخذ موافقة المدرسة قبل تعيينه.

لكن المشكلة تبقى في حدود الجانب الإنساني، فالمدرسة خيرية ولا يمكنها أن تمنح مئات المعلمين رواتب بحجم الحكومة، فيما المعلم يبدي حاجة ملحة لتحسين وضعه المادي والاجتماعي، ويضع المدير في دائرة إنسانية نادراً ما يمكن لأحد أن يتخطاها.

وطالب إدريس الوزارة بضرورة الأخذ بعين الاعتبار أن المدرسة لا تملك العصا السحرية لإيقاف تنقلات المعلمين، وأن على التربية أن تراعي واقع بعض المدارس التي تبذل جهوداً كبيرة في انتقاء المعلمين من الخارج، وجلبهم إلى الدولة.

حيث تتكبد عناء السفر واللجان والإقامة والتأشيرات، وبعد عام تفقد الكثيرين، لافتاً أنه من العدل أن تضع الوزارة قانوناً يمنع قبول المعلمين القادمين من الخارج عن طريق مدرسة خاصة إلا بعد مضي ثلاث سنوات على الأقل، حيث تتكبد مدارس خاصة كثيرة خسائر كبيرة في هذا الجانب ولا بد من حمايتها من هاجس فقدان المدرسين المتواصل، لا سيما في التخصصات النادرة والمهمة مثل اللغة العربية.

«التربية» ملتزمة مع المدارس الخاصة بشقين قانوني وأدبي

أكد علي ميحد السويدي مدير عام وزارة التربية والتعليم بالإنابة أن الوزارة تأخذ بعين الاعتبار مصلحة المدرسة الخاصة تماماً كما المدرسة الحكومية، ولذلك فهي تشترط «عدم الممانعة» قبل تعيين المعلم المنتقل إلى مدرسة حكومية.

والحاصل أن التنقلات من مدرسة إلى أخرى أصبحت متاحة للجميع على نحو يشبه «السوق»، والأمر ليس بيد الوزارة لأنها منحت صلاحية الانتقال إلى مدير المدرسة الخاصة في شهادة عدم الممانعة، فيما من الواضح أن المدرسة لا تقوى على منع المعلم من الانتقال لوجود مخارج عدة، منها الاستقالة نهاية العام الدراسي وعدم تجديد العقد مع المدرسة.

وأضاف أن الوزارة مرتبطة بشقين قانوني وأدبي مع المدارس الخاصة، وهي تراعي مصالحها على النحو الأكمل، مشيراً إلى أنه ومنذ أسبوعين أنهت الوزارة خدمات معلم جاء من مدرسة خاصة وكان يحمل شهادة «إخلاء طرف» من مدرسته فتم تعيينه، إلا أن إدارة المدرسة تراجعت عن قرارها في وقت لاحق وجاءت تطلب استعادة معلمها.

وعلى الرغم من أن المعلم قد استوفى الشروط القانونية في التعيين، إلا أن التربية وفي لمحة أدبية قررت إنهاء خدماته وإعادته للمدرسة بحكم حاجة المدرسة إليه، وذلك لم يكن من حق المدرسة، وإنما جاء كتأكيد حرص التربية على المصلحة التربوية.

وأشار السويدي إلى أنه يتعين على المدارس الخاصة نفسها أن تنظم العلاقة مع المعلمين على نحو اتفاق لضبط آلية تنقلاتهم، وأخذ تعهدات خطية عليهم للبقاء في المدرسة لفترات مسموح بها، كما ويمكن للمدير أن ينظم تلك العملية من خلال عدم منح الموافقة لمن لم يستوفِ شروط التعهد أو العقد المبرم بين الطرفين، وبالتالي قد تحظى المدارس الخاصة بنسبة استقرار مقبولة،.

وفي المجمل فلا يمكن ضبط المسألة بنسبة مطلقة لأن التفاف المعلم على قرار الانتقال وارد في أكثر من اتجاه، منها الاستقالة والسفر ثم العودة أو حتى التقدم للوظيفة في التربية من خارج الدولة.

تجديد الملفات

مصطفى الموسى مدير مدرسة المعرفة الخاصة في الشارقة أوضح أنه لا يعاني من مشكلة تنقلات المعلمين، والتخلي عن مدرسته بسبب أنه يمنحهم امتيازات مادية ومعنوية مجزية، وهو ما يجعل مدرسته محط أنظار كثير من المدرسين أصحاب الكفاءات، لافتاً إلى أنه يركز كمدير على خلق بيئة تعليمية مستقرة ومتطورة، وهو يدرك حجم التفاوت والتنافس في السوق، وبالتالي عليه أن يخصص للمعلم حيزاً أكبر من الاهتمام حتى يحافظ على الكفاءات.

وأشار إلى طبيعة التفاوت في الإمكانيات سمة عامة لمختلف القطاعات، فالمدارس الخاصة يمكنها أن تواصل عملها بمعلمين حسب الحاجة في كل عام، ويبقى التحدي في الجودة والاستقرار.

حيث أنه من المؤكد أن المدارس الخاصة ذات الإمكانيات المحدودة ستكون المتضررة أكثر في هذا الحقل، لكون أن المعلم لا ينظر إليها خياراً أو بيئة مستقرة في الوظيفة، وبالتالي ستبقى أسيرة تجديد ملفات المعلمين نهاية كل عام دراسي، وهو ما يكون أحياناً على حساب الطلبة أنفسهم الذين يضطرون لمواصلة الدراسة بحسب الثقافة التدريسية المختلفة لكل معلم.

حاجة المعلمات

أكد مديرو مدارس خاصة أن المشكلة الأكبر التي تواجهم تكمن في تنقلات المعلمات وليس المعلمين، لأن المعلم يكون على كفالة المدرسة أما المعلمة فتكون على كفالة ذويها، وبالتالي فهي تعتبر أن موقعها مجرد وظيفة عابرة ومتى سنحت لها فرصة أفضل بقليل في الراتب ستغادر بلا خوف أو تردد.

وأشاروا إلى أنه في كل عام تتخلى معلمات كثيرات عن وظائفهن بحثاً عن رواتب أفضل. وقال الدكتور عبدالرحمن عيسى مدير مدرسة الحصن الخاصة إن إحدى المعلمات في مدرسته قررت الانتقال إلى مدرسة أخرى طمعاً في زيادة عشرات الدراهم على راتبها الذي تتقاضاه، وتلك الواقعة حالة متكررة في أكثر من مدرسة، إذ إن المعاناة الحقيقية تكمن في الاحتفاظ بالمعلمة وليس المعلم.

وبنظر مدير مدرسة الحصن، فإن المعلمة تأتي إلى الوظيفة من أجل مساعدة الزوج في تحمل أعباء الحياة، وبالتالي فهي تتطلع باستمرار إلى فرق مهما كان في الراتب، ولا يهمها الاستقرار أبداً.

على عكس الرجل الذي يكون ملتزماً ببيت وأسرة، فتجده يحرص على الثبات نسبياً ولا يتخلى عن وظيفته إلا إذا وجد فرقاً يستحق، كما هو الحاصل في التنقلات من المدارس الخاصة إلى مدارس الوزارة.

دبي ـ عنان كتانة