مشهد يندر مرآه في أجوائنا الساحلية، وقد غاب عنها المطر السمين لزمن ليس قصيرا. كان حين يلوح الغيم نظنه سينهمر، فما نرى منه سوى قطرات متباعدة متباطئة، كم هو بخيل ذلك الغيم المرتفع في أعالي الجو، أماني بمطر سرعان ما تتلاشى سحبه الخفيفة، متنحية لأشعة الشمس، تبزغ فتتلاشى مرئيات دفء السحاب المطل الحنون. لكن المشهد اليوم يختلف عن الأمس القريب، تحولات المناخ والطقس ودورة الكون واكتظاظ الكوكب بمحمولاته.
مشهد لعله يصبح ديدن أجوائنا في المقبل من الأعوام، عبر هذه الدلالة في سماء البلاد، حيث تتكاثف الغيوم في تلافيف فتبدو كحزمة من ندف معتقة مركزة، كثلوج ريشية تتماهى في حضن المكان بين البحر والبر.
بشائر غيث عبر سحب مكتنزة بالعطاء، سقيا خير وبركة ورحمة إن شاء الله، هكذا بدت سماء دبي ذات يوم قريب يندر أن تتكتل في سمائها مثل هذه الغيوم الممتلئة بالخير، هبة تعم بها البلاد ويتباشر بها العباد، وترتوي بها الأرض المتصدعة من الظمأ فتشبع وتختزن لأيام القيظ الطويلة. لاشك بأنها بشارة لموسم غني بالخضرة، وفرص للانطلاق في براري الوطن واعتلاء تلاله.
وقد اشتدت بفعل التشبع من المطر، كما أنها دلالة فصول مختلفة، ومناخات غير مألوفة، لكنها من قسائم المولى سبحانه حين يوزع مشيئته على الأكوان، ويقدر لمن يشاء من رزقه ومن ملكوته، فيحيل الصحارى إلى جنان مزهرة مخضرة ومثمرة، ويحيل بقدرته الجنان إلى صحارى مقفرة.
فتأمل السماء وهي غامقة كما لو أنها قد أرسلت مظلة عملاقة تحمي بها الأرض من انهمار أو شعاع، هكذا بدت دبي في جو من الغرائبية غير المتوقعة لكنها محببة لنفوس منبثقة من صحراء وملح، نفوس طالما عشقت الندى وتغنت بالمطر لأنه مصدر الحياة، لأنها تحب الحياة.
فاطمة محمد الهديدي
