أجدني مضطرا وبطيب خاطر للاعتراف، أني أسرفت في تجاهل نصائح الأصدقاء من مخاطر التدخين. لكن إسرافي لا يقتصر على هذا «الكيف» أو التبغ وحده، وإنما ينسحب على عملي وأنا أغرق نفسي فيه بلا رحمة، الأمر الذي يدفعني إلى الإسراف في التدخين.

وهو الشر الذي طالما تجاهلت عواقبه حتى سقطت غائبا عن الوعي، وكان في ليلة من ثلاث ليال سبقت على سفر أفراد أسرتي، أفقت في اليوم التالي على شعور بالإعياء وثقل يصاحب حركتي، وإحساس بالغثيان، جررت نفسي إلى المستشفى، وهناك دهش الطبيب مما وصفه بالمعجزة. كيف؟

قال إن الإغماء ما هو إلا ذبحة قلبية ولكن قدر الله ولطف ومنحك فرصة ثانية للحياة، وشدد على ضرورة الامتناع عن التدخين، وإلا سأتعرض لنوبة قريبة تكون أشد. لكن يبدو أن غرور الإنسان يدفع به إلى أقصى حدود التحدي أو ربما الإسراف في محاولة اكتشاف مدى تحمله وحدود طاقته واختبار صحته.

خرجت ساخرا من الأزمة التي لم تتعد سوى إغماءة بدت كغفوة وهاأنذا لا أشكو من سوء ولله الحمد. لم تمض أسابيع حتى حدث ما توقعه الطبيب أزمة ثانية ألزمتني سرير العناية المشددة فترة ليست قصيرة، تركتني شاحبا، وخسرت بسببها جزءاً من قدراتي الحركية فخرجت أستند على عكاز.

بعد هذه التجربة وعدت نفسي بمحاولة الالتزام بنصائح الأصدقاء وأوامر الطبيب، وإن كنت نجحت بشكل بسيط، لكني لم أنجح في الخلاص من الانغماس في العمل بشكل كلي، وقد أصبح محور حياتي الوحيد وانتمائي الأهم.

ما فشل في إقناعي به الأصدقاء والأطباء والذبحتان في القلب نجحت به هي.

كانت جالسة في زاوية جانب المدخل المؤدي إلى المبنى الذي أسكنه، كانت تقضم لقمة من رغيف محشو حين مررت بقربها فتوقفت عن المضغ، وتسمرت عيناها الواسعتان البراقتان على عكازي، وظلت نظراتها تتبع العصا بدهشة أو استغراب أو بعجب أو ربما بشفقة! وما كدت اقترب وأحاذيها حتى قفزت مادة يدها الضئيلة برغيفها قائلة (خذ). كانت لحظة صاعقة، وكنت كمن اخترقه برق أربكه وأضاء كيانه وأدماه وجبره في لمحة انطلقت من عيني تلك الصغيرة ذات السنوات الأربع.

ربت على كتفها بابتسامة أبوية حانية، وشكرتها شكر البالغين، ثم أكملت سيري وأنا أشعر بنظراتها تلحق بي وتتعلق بعكازي.

هل كنت مثيراً للشفقة إلى هذا الحد؟ وكيف لبراءة في الرابعة أن تكتشف بل وتبادر، فتقدم لمن تجاوز الخمسين درساً فاته أو تعمد تجاهله، لكنه للحظة وجد نفسه متسربلا بخجل أبدي بثته فيه لحظة كونية هاربة أو قادمة من كيان بعيد ليس له علاقة أو انتماء بعالم البشر، كيان من نور تمحور في قلب طفلة وانبعث عبر عطاء ملائكي هو طعامها لم تتردد للحظة وهي تمنحه لمجهول مشفوعا بصوتها المهذب «خذ».

لم ولن تتركني تلك اللحظة ما حييت، ولن تغيب «خذ» عن مسامعي أبدا. ومازلت حتى اليوم أعجز عن لملمة شعث روحي مذ تبعثرت أمام بريق عينيها وقولها «خذ». طفلة همت لعابر متأنق طويل لتؤثره على نفسها، كنت عاليا بالنسبة لها، ومع ذلك قدمت رغيفها وقالت.. خُذ.. كُل.

أمجد علي