كان يعمل ممرضا في عيادة بإحدى القرى، والناظر إليه يلحظ ضخامة جثته وطوله الفارع وكرشه الذي يتقدمه رغم حرصه الشديد على أناقته وهندامه. هو من أشهر رواد المقهى، حيث يبدأ بلعب الورق فور عودته من عمله وتناوله طعام الغداء الذي عادة ما يعادل طعام أسرته كاملة، فهذه عادته إلى جانب عادته الأخرى في التدخين حيث كان يضع السيجارة على طرف شفتيه ولا يتركها حتى تنتهي وكان معدل تدخينه ثلاث علب يوميا، ومع ذلك كان يهتم بصحته جيدا حيث كان احد أبنائه يجلب له الحليب الطازج كل صباح وكنت اعتقد أن الحليب هذا لأحد أطفاله الصغار ولكن ابنه اخبرني أن الحليب لوالده .
لم يكن بينه وبين جيرانه أي علاقات، ولم يكن يدخل بيته إلا المرضى والمصابين حيث يتلقون العلاج على يديه فيما النساء تتولى زوجته علاجهن بعد أن دربها على تضميد الجروح وحقن الإبر، وعادة ما كان يهول من أمر المرض أو الإصابة حتى أن الناس كانوا يتجنبون زيارته إلا عند الضرورة القصوى.
كان من ينظر إليه يعتقد انه طيب القلب حنونا بحكم عمله في مهنة التمريض، لكن من يقترب إلى بيته ويتعرف على طريقة تعامله مع أولاده سرعان ما تتبدل لديه تلك الاعتقادات، فهو كما روى لنا ابنه شديد القسوة في البيت ولا يعرف الابتسام أو التعامل مع الأبناء بغير لغة الضرب، كان يصدر الأوامر بإغلاق بوابة البيت عند التاسعة مساء، ومن يتأخر عن هذا الموعد فان السوط في انتظاره، ولم تكن تفلح توسلات الأبناء أو الزوجة بوقف التعذيب إلا بعد أن تكل يداه من شدة الضرب.
ولم يكن أمام الأبناء إلا الحرص على العودة إلى البيت قبل موعد إغلاق البوابة بوقت كاف، وتجنب الاجتماع مع الأب للبعد عن العقاب والتوبيخ بسبب وبدون سبب، ورغم كبر الأبناء إلا أن هذا التعامل الفظ قد استمر إلى أن كبر الأب وشاخ وتلاشت سلطته على بيته، فانقلب حاله إلى أسوأ ما يخطر على بال أحد لدرجة أن الابن الأوسط أصبح يتطاول عليه بالضرب والسب وحرمه من التدخين وكأنه يريد أن يثأر لما تعرض له على يد والده.
وتعدى الأمر إلى حبس الوالد ومنعه من مغادرة البيت نهائيا لأي سبب كان، فكنت تراه والدموع تسيل على خديه منزو في ركن قصي في البيت، وحاولنا من جانبنا ثني الابن عن هذه التصرفات التي لا تليق بمكانة الأب، ولكنه كان يرفض بإصرار ويقول لو عانيتم مثلما عانيت من قسوة أبي لتصرفتم بأسوأ من ذلك، وعلى كل فالمثل يقول كما تدين تدان.
موسى أبو عيد
