وقف أبو احمد بذهول حائرا أمام بسطتين من البندورة في احدى الجمعيات التعاونية في دبي، إحداهما مستوردة من هولندا والأخرى من دولة عربية.حدق طويلا في السعر بالكتابة البيضاء على اللوح الأسود، واضح تماما، الهولندية 25 درهما للكيلو، والعربية بدرهمين. ولكن غير الواضح بالنسبة لأبي أحمد كما أخبرنا هو السبب في هذا الفرق الضخم، بسعر كيلو من الهولندية تستطيع شراء البسطة العربية كاملة.

حيرته كانت فضولا للمعرفة وليس لاتخاذ قرار حول أي البسطتين يختار، فالقرار اتخذه أبو أحمد قبل أن يدخل إلى هنا، وقراره بناه على حكمة «كله إلى المعدة ثم إلى طريقه». تركنا أبو أحمد ليزاحم آخرين على بسطة البندورة العربية، بينما بقيت البندور الهولندية على حالها كما رتبها عامل الجمعية، فالجميع اتخذ قراره، السعر الأقل أولا، والفضول يبقى للمعرفة فقط .. الفرق الكبير في السعر أول أسبابه ما يشير إليه احمد الحسن اختصاصي الصناعات الغذائية في إحدى الشركات المتخصصة بالمنتجات العضوية في دبي، وهو عدم إضافه الكيماويات في الزراعة وترك الغذاء ليتم دورته الطبيعة الكاملة للنضوج مما يؤدي إلى ارتفاع اسعار هذه المنتجات العضوية، وعلى الرغم من هذا الارتفاع في السعر يقول أحمد الحسن ان هذه الأغذية توفر قيمة غذائية أعلى ووقاية من الأمراض المزمنة وتبقي الجسم خاليا من السموم المتراكمة.

ويبرر احمد الحسن ارتفاع اسعار المزروعات العضوية بعدة عوامل منها القوانين الدولية التي تمنع تصدير المنتجات العضوية بوسائل النقل البرية والبحرية، ويشترط نقلها بطائرات الشحن دون اضافة أي من المواد الحافظة، اضافة إلى اشتراط وجود شهادة من قبل جهة معتمدة تؤكد خلو الخضروات او الفواكه من الهرمونات او المبيدات الحشرية وهذه الشهادة لا تمنح مجانا بل لها سعر يضاف على سعر السلعة.

ويسانده في هذا الرأي المهندس الزراعي عمر محمود ابراهيم مضيفا سببا وجيها آخر لارتفاع اسعار الخضروات والفواكه العضوية، فالانتقال للزراعة العضوية بعد استخدام المبيدات في الارض الزراعية يتطلب من المزارع مدة خمس سنوات متتالية للتخلص من اثار المبيدات وبالتالي ينظر المزارع لمن سيعوضه عن الخسائر الكبيرة خلال هذه الفترة، أما ما يحدث في الدول الأوروبية كما يقول الحسن ان الحكومات والجمعيات تعوض المزارعين عن هذه الخسائر لتشجيعهم على الزراعة العضوية، لذلك تنتشر أسرع منها في دولنا العربية.

ارتفاع اسعار الخضروات والفواكه وغيرها من المنتجات العضوية، مشكلة حقيقية خاصة في مجتمعاتنا العربية، فأقل أسرة لديها من خمسة الى سبعة أفراد، واطعامهم المنتجات العضوية سيحتاج إلى مبالغ باهظة لا يقدر عليها كل رب أسرة. فهل يبقى الخيار أمامنا هو «الأقل سعرا أولا» .. وما نتائج ذلك؟

أبو هارون، كما فضل أن ينشر اسمه، يمكنه الإجابة عن جزء من السؤال بما يمتلك من حقائق بحكم امتلاكه لمزرعة في الذيد خصصها لزراعة البندورة والخيار والخس والكوسا، ويسبق ما سيحدثنا عنه بقسم ليؤكد أمرا يكاد لا يصدّق، فهذه الحقائق التي يعرفها جعلته يعزف عن تناول أي شيء من مزرعته، بل يشتري كامل حاجياته من الخضار والفواكه المستوردة من الدول العربية من سوق الخضار.

السبب وراء ذلك معرفته بان المبيدات والاسمدة عادة ينتهي مفعولها بعد 72 ساعة من القطف بمعنى انها تموت في البرادات القادمة عبر تلك المسافات البعيدة. ضمير المواطن ابو هارون ومعرفته بما يمكن ان تتسبب به هذه المزروعات من امراض لابناء وطنه دفعه لاتخاذ قرار سريع بالتوقف عن الزراعة.

وما يعرفه أبو هارون يؤكده احمد الحسن اختصاصي الصناعات الغذائية باحدى الشركات المتخصصة بالمنتجات العضوية بدبي »فالخضروات والفواكه التي كانت من الوصفات السحرية للوقاية من الامراض لم تعد كذلك«، وطمع الانسان بسعيه وراء الثراء السريع واستخدامه وتفننه في الاستخدام العشوائي لبعض المبيدات وخاصة منها المحرمة دوليا أدى، كما يقول، لبروز مشاكل صحية جمة منها ما هو سريع الظهور وقصير الأجل و منها ما هو بطيء و طويل الأمد.

ويزيد الأمر تأكيدا ما يشرحه الدكتور حسن حطيط استشاري ورئيس قسم الانسجة في مستشفى دبي، فالتركيبات الكيميائية الخطيرة كالزئبق والكبريت والفوسفور والرصاص والنحاس في مبيدات وأسمدة الخضروات والفواكه التي يستخدمها مزارعون باعوا ضمائرهم وتخلوا عن مبادئهم الاخلاقية بحجة محاربة الجراد والفطريات و الجراثيم الزراعية، تسببت بكوارث صحية لبني البشر.

وجهلنا بما نأكل تضامن مع هوس الثراء السريع الذي طمر القيم الاخلاقية تحت التراب مع بذور البندورة والخيار، وفق وصف الدكتور حسن، ليؤديا معا إلى تزايد نسب الاصابة بالامراض السرطانية المختلفة، ذاكرا منها سرطان الجهاز اللمفاوي، وسرطان المثانة، وسرطان الجهاز الهضمي، وسرطان الدم، وسرطان الثدي، وسرطان الخصيتين، وسرطان البروستات، اضافة لامراض العقم واضطرابات الجهاز التناسلي، وأمراض الجهاز الهضمي والعصبي والتنفسي وأمراض جهاز المناعة، وأمراض الغدد والاضطرابات الهرمونية وارتفاع ضغط الدم وفقدان الذاكرة، وتلف الكبد، والدماغ والأعصاب، والحساسية ومرض باركنسون.

اذن الزراعة العضوية صحية اكثر وافضل باجماع الجميع، لانها نظام حيوي مأخوذ من الطبيعة ولا تعتمد على أية إضافات كيميائية أو هرمونية. والنظر إلى الزراعة بهذا المفهوم كما يرى المهندس عمر سيحد من التلوثات البيئية، وسيحسن تدريجياً من صحة الأفراد والأحوال الزراعية على المدى الطويل، كما أن المنتجات العضوية المتوافقة مع معايير السلامة العضوية تعتبر إحدى ركائز الوقاية الصحية والمحافظة على البيئة في الدول المتقدمة، وقد حققت المنتجات الزراعية العضوية انتشاراً وتنامياً ملحوظين في السنوات الأخيرة في الكثير من دول العالم، و أصبح إقبال المستهلكين على المنتجات العضوية يفوق بكثير ما كان متوقعاً ليس فقط في الدول المتقدمة بل في جميع أنحاء العالم. وأصبح المنتج العضوي عنصراً هاماً في التنافس الإستراتيجي لتجار المنتجات الزراعية في كثير من دول العالم.

فالتوجه الصحيح الآن هو نحو المزروعات العضوية التي لا تعتمد على أي من المبيدات أو الأسمدة الكيماوية. وتوضح الإحصائيات حقيقة هذا التوجه إذ أظهرت زيادة مطردة في المساحات المزروعة بالنظام العضوي خلال منذ عام 2002 وحتى عام 2006، وتضاعفت المساحة في قارة افريقيا 6 أضعاف وفي قارة آسيا 83. 5 أضعاف وفي قارة أميركا الجنوبية 36. 1 ضعف وفي القارة الأوروبية 27. 1 ضعف، أما في دولنا العربية فالأمر «مكانك سر».

الأسعار الباهظة للمزروعات العضوية يمكن السيطرة عليها من خلال تشجيع هذه المزروعات عربيا بدل الاستيراد الذي يشكل جزءا كبيرا من السعر. ولكن حتى هذا التوجه يواجه الكثير من المعوقات، كما يقول الدكتور حطيط ، فتشجيع الزراعة العضوية مكلف جدا ومنتجات الزراعات العضوية ما زالت إلى الآن، أغلى وأندر بكثير من المنتجات المعالجة الأخرى والسماد الطبيعي قليل الوفرة بسبب ضعف الإنتاج الحيواني ونقص المساحات المخصصة للمراعي وتدني نسبة الدعم المرصود لميزانيات الزراعة في الدول النامية والخلل المناخي-البيئي العام الذي أصاب العالم بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري.

وإذا لم يبادر العالم برمّته والدول بأجمعها للتضامن والتعاون والتكاتف ورصد الأموال وتكثيف الأبحاث وتعزيز الجهود لسدّ الثغرات في الدول الفقيرة أو النامية و استعادة النظم البيئية المتوازنة و تصحيح الخلل البيئي والمناخي قدر الإمكان ووقف الإضرار بالطبيعة والهواء والغلاف الجوي، فإن الأمور آيلة، لا محالة، إلى ما لا يحمد عقباه، وفق تشديد الدكتور حطيط.

تلك هي قصة تفاقم أمراض العصر التي نعزوها للعوامل الوراثية تارة، وتارة اخرى للقدر، ولم يبق امامنا سوى خيارات محدودة فاما ان نتجه للمنتجات العضوية، واما أن نأكل مما هو متاح، ولكن الخيار الوحيد أمام الفقراء في انتظار ذلك هو « صوموا تصحوا ».

خارج اختصاصنا

قال خالد شريف العوضي مدير إدارة الرقابة الغذائية ببلدية دبي ان التفتيش على القيمة الغذائية للخضروات والفواكة ليس من اختصاص البلدية لانها تدخل ضمن المنتجات العضوية وهذه المنتجات هي من اختصاص الجهات الصحية . في حين قالت مصادر في الجهات الصحية بانها ليست معنية لا من قريب ولا من بعيد بالتفتيش على القيمة الغذائية للخضروات والفواكه .

وفي ابو ظبي افاد محمد جلال الريايسة مدير إدارة العلاقات العامة والاتصال في جهاز أبوظبي ان إجمالي المواد الغذائية التي تم ضبطها وإعدامها من قبل قسم المنافذ الحدودية بلغت 414 كيلوجراماً منها 44 كيلوجراماً من الخضار والفواكه التالفة فيما تم رفض مرور 39 طناً من التمور والخضار إلى الدولة لمخالفتها للشروط الصحية وتغيير مسار سيارات النقل من عمان إلى الإمارات.

ماذا تعني كلمة عضوي؟

تعني كلمة عضوي من الناحية النظرية الشيء الحي، أما من الناحية العلمية فهي تشير إلى الأغذية الطبيعية التي تتم زراعة عناصرها وإنتاجها دون استخدام أي أسمدة كيميائية أو مبيدات حشرية أعشاب وفطريات، ولا يسمح باستخدام أي مادة غير طبيعية في هذه الأغذية فلا هرمونات نمو ولا مضادات حيوية ولا مواد حافظة ولا أصباغ أو تغليف بطبقة كيميائية ومعالجة ضد الإشعاعات، كما انه من غير المسموح استخدام الهندسة الوراثية بعد إنتاج هذه المواد الغذائية العضوية.

وفاء عايش: التمر طبيعي وبسعر منخفض

شجعت وفاء عايش اختصاصية التغذية السريرية على تناول الخضروات والفواكه العضوية ولكنها في الوقت ذاته ترى ان السعر لا يرتبط دائما بالقيمة الغذائية وما يتحكم بالسعر هو تكلفة الاستيراد والتصدير وهناك مواد غذائية أسعارها منخفضة بل وزهيدة ولكن قيمتها الغذائية مرتفعة جدا.

ومن الأمثلة على ذلك التمر فعن السيدة عائشة رضي الله عنها، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا عائشة بيت لا تمر فيه جياع اهله». وتضيف وفاء عايش على ذلك بان المأكولات العضوية الطبيعية ليست صحية في المطلق، فالتخزين السيئ والحرارة المرتفعة والأماكن الرطبة والمظلمة تؤثر على نوعية تلك المأكولات.

الهرمونات تسرع النضوج وتقلل القيمة

بينت الأبحاث العلمية ان استخدام المبيدات الكيماوية والهرمونات أثناء الزراعة يقلل من القيمة الغذائية للأطعمة ومن محتواها من الفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة، ذلك لأن إضافة هذه المواد تجعلها تكبر وتنمو بسرعة قبل نضوجها بشكل كامل وتنتج بكميات وفيرة تحقق مكاسب مالية مجدية، ناهيك عن المضار الصحية الناتجة عن تناول هذة الأغذية كضعف المناعة والالتهابات أو أمراض السرطان المختلفة، وأيضا تسبب قلة التركيز وكثرة الحركة عند الأطفال.

بينما تناول الأغذية الخالية من الكيماويات والهرمونات والتي تسمى بالأغذية العضوية توفر قيمة غذائية أعلى ووقاية من الأمراض المزمنة وتبقي الجسم خاليا من السموم المتراكمة. إن عدم إضافة الكيماويات في هذه الزراعة وترك الغذاء ليتم دورته الطبيعة الكاملة للنضوج لتكون أطول وكمية الإنتاج أقل الذي يفسر ارتفاع السعر.

المزروعات العضوية: قيمة غذائية أعلى

اكدت دراسة على العديد من محاصيل الفاكهة والخضر بغرض مقارنة القيمة الغذائية لكل من الأصناف المزروعة بالنظام التقليدي ومثيلتها المنتجة بالنظام العضوي، أن المحاصيل الزراعية المنتجة بالنظام العضوي احتوت على كميات أعلى كثيراً من فيتامين «ج» والحديد والماغنسيوم والفوسفور مقارنة بمثيلتها المزروعة بالطرق التقليدية. كما أظهرت الدراسة أن المحاصيل الزراعية المنتجة بالنظام العضوي احتوت على كميات أقل من النترات.

واعتبرت الدراسة أن أهم النتائج المتحصل عليها هي أن المنتجات العضوية تحتوي على محتوى أعلى كثيراً من المعادن الغذائية الهامة لتغذية الإنسان ومحتوى أقل كثيراً جداً من المعادن الثقيلة الضارة بصحة الإنسان مقارنة بتلك المنتجة بالطرق التقليدية. كما أظهرت الدراسات وجود فروق واضحة في محتوى بعض المحاصيل العضوية من البروتين والفيتامينات والسكريات والعناصر الغذائية الصغرى مقارنة بتلك المزروعة بالطرق التقليدية.

قيمة غذائية عالية للطماطم

تحتوي الطماطم على مواد آزوتية ومواد دهنية وماءات الفحم وحمض الليمون وحمض الماليك وقليل من حمض الطرطير، كما تحتوي على فيتامينات بكميات كبيرة مثل فيتامين أ،ب،ج،ك بالاضافة لأملاح معدنية كالحديد والنحاس والكالسيوم والبوتاسيوم والفسفور والكبريت.

القيمة الغذائية لها جيدة إذا أكلت ناضجة تماما وبصورة خاصة إذا كانت حديثة القطف حيث يحتوي كل 200 غرام من الطماطم على حوالي 40 سعرا حراريا لذا تعتبر غذاء جيدا لمتبعي الحميات وتخفيف الوزن.

كما ان لها فوائد كثيرة وعظيمة حيث تعتبر غذاء جيدا ومفيدا لمرضى السكري لمحتواها العالي من فيتامين أ و ب الضروريين لصحة وسلامة الأعصاب كذلك محتواها العالي من الألياف والتي تساعد على تنظيم نسبة السكر في الدم.

وللبندورة أثر فعال في إذابة الترسبات البولية وحامض البول لذا ينصح بتناولها من قبل المصابين بالتهابات الكلى والمصابين بالحصوات المرارية والبولية بشرط أن تؤكل بدون قشر أو بذور (أي اللب) .تساعد البندورة على الوقاية من الإصابة بالإمساك لمحتواها العالي من الألياف فكل 200 غرام منها يحتوي على حوالي 2 غرام من الألياف.

وتعتبر البندورة غذاء جيدا لمرضى القلب وارتفاع الضغط لمحتواها العالي من البوتاسيوم، كما ان عصير الطماطم مدر للبول وخصوصا إذا أخذ مقدار كوب صغير من عصير الطماطم 3- 4 مرات يوميا . وبسبب محتواها العالي من مضادات الأكسدة وخصوصا فيتامين ج فهي مفيدة في الوقاية ومحاربة الشيخوخة.

تقرير

مختصون: الهرم الغذائي لبلاد الشام الأفضل والأكثر توازناً

المبيدات الحشرية والهرمونات والتغذية الفقيرة وغير المتوازنة وغير الصحية، إلى جانب أسلوب الحياة سبب أكيد لكثير من الأمراض، والاغذية الطبيعية ايضا قد تسبب لآكليها أمراضاً غير مستحبة، فمثلا تناول مريض السكري ثمار التين بكثرة سيسيء حتماً إلى صحته ألاوتناول الأكل الطبيعي لا يعني التخلص اوتوماتيكيا من مضار الخضروات والفواكه، لأن بعضها قد يكون غنياً بالسكر ومشبعاً بالشحوم.

وعاداتنا الغذائية العربية ايضا متهمة بأنها تزيد الطين بلة فالتركز على نوع معين من الغذاء واهمال الأنواع الأخرى الأكثر أهمية في الوقاية من الأمراض وتأمين حاجات الجسم الضرورية من العناصر الغذائية الرئيسية، عقدت الامور اكثر.

هذه التهمة ترفضها وفاء عايش اختصاصية التغذية السريرية وتدافع بشدة عن الهرم الغذائي لدول حوض البحر الأبيض المتوسط وتحديدا في بلاد الشام وتعتبره أفضل هرم من ناحية التوازن الغذائي، ولكنها تعود لتستدرك بان الجيل الحالي بات يعتمد على المطاعم وقلة الحركة والتكنولوجيا الحديثة التي تعود عليه بالكسل و الأمراض.

والمشكلة في العادات الغذائية العربية كما يراها احمد الحسن اختصاصي الصناعات الغذائية هي اننا نكثر من تناول الأرز الأبيض واللحوم على حساب الأغذية الأخرى مثل الفواكه والخضروات والبقوليات والألبان، وعدم التوازن والتنوع في الأغذية يسبب نقص التغذية فتصبح مقاومة الجسم للأمراض ضعيفة، وبالتالي لا بد من اللجوء للتغذية المتوازنة والصحية أي أن تكون متنوعة وكافية تسد جميع حاجيات الجسم للوقاية من الأمراض.

وكما يقال «المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء»، ونوعية الطعام الذي نأكله أهم بكثير من الكمية، فإذا نظرت إلى نسبة الأمراض المزمنة التي نعاني منها الان كانت قليلة جدا أو لاتذكر في زمن أبائنا واجدادنا لأن الأطعمة التي كانوا يتناولونها طبيعية وخالية من الكيماويات والهرمونات، ومتنوعة وكاملة وغير مكررة. بعكس ما نتناوله الان فقد أصبح غذاؤنا مليئا بالكيماويات ومكررا وناقصا فقد معظم قيمته الغذائية بسبب ما يدعى بتكنولوجيا العصر.

ويسترشد احمد الحسن على ذلك قائلا الوجبة الرئيسية لدينا في الدول العربية بشكل عام والامارات بشكل خاص هي الأرز الذي يتم سنفرة النخاله منه وتبيضه بعد حصدة لنحصل على الأرز الأبيض بدلاً من الأرز الأسمر الكامل وكذلك الخبز الأبيض والفطائر والمعجنات المصنعة من طحين القمح المكرر أي الأبيض، ولا احد يعرف ان عملية التكرير هذه تفقدها نسبة كبيرة من العناصر الغذائية الضرورية لهضمها في الجسم مثل فيتامينات «ب» والحديد والزنك والماغنيسيوم والألياف الغذائية، والسكر الأبيض المكرر الذي فقد معدن الكروم المهم لحرق السكر في الجسم ومعدن الفلور الذي يقي الأسنان من التسوس.

ومن الأمثلة على الأطعمة المسلوبة أيضا هي الزيوت النباتية المهدرجة التي نستعملها بالطبخ والقلي التي ليس لها لون أو رائحة أو طعم لانها خضعت لخطوات تصنيعية جائرة لتطيل من صلاحيتها أفقدتها تلك الخواص والأهم من ذلك انها تعرضت للتسخين على درجة حرارة عالية فأصبحت الأحماض الدهنية الصحية التي تحتوي عليها مؤذية جداً وهي أحد أسباب الإصابه بارتفاع الكوليستيرول وأمراض القلب والسكري والسرطان .

تحليل

الرقابة تائهة بين الصحة والبلديات

الرقابة على الخضروات والفواكة التي يتم استيرادها من الخارج ونعتمد عليها اعتمادا كليا بسبب شح الزارعة في الامارات خاصة من ناحية قيمتها الغذائية تائهة بين البلديات والصحة والكل يلقي بالكرة في ملعب الاخر، ولا احد يعرف ما اذا كانت الخضروات والفواكة التي نلتهمها ونملأ بها بطوننا تحتوي على مواد ضارة ام مفيدة. احدى الدراسات التي تم اجراؤها في احدى الدول العربية مؤخرا بينت مثلا ان الفراولة (الفريز) المستورد الذي يستخدم في محلات العصير بشكل واسع يحتوي على ترسبات للمبيدات تتجاوز 30 مرة الحدود المسموح بها.

ولم يقتصر الامر على الفراولة بل شمل كذلك ما لا يقل عن عشرة انواع من الفواكه والخضار وجد في كل عيناتها بقايا ورواسب مبيدات زراعية وهرمونات سامة ولا سيما التفاح والعنب والكرز والبطاطا والبوملي. واعترف مدير عام وزارة الزراعة في تلك الدولة بوجود المشكلة في ما لا يقل عن 50% من الإنتاج الزراعي، واكد رفض بلاده دخول كميات كبيرة من المنتجات الزراعية من الخارج جراء اكتشاف هذه المشكلة.

ورغم ذلك لم نسمع عن رفض دخول اي من الخضروات او الفواكه المستوردة في اي من دولنا، بسبب تدني قيمتها الغذائية او احتوائها على ترسبات لمبيدات كيماوية او هرمونية والتي يتسبب تراكمها في الجسم على المدى الطويل بامراض خطيرة الامر الذي يعزوه الخبراء والمختصون لزيادة حدة الاصابة بالامراض الخطيرة عنها في الجيل الحالي مقارنة بجيل الاباء والاجداد.

العديد من الدول المتقدمة ادركت مبكرا هذه المخاطر وراحت تشجع المزارعين للتوجه للزراعة العضوية وهي منتجات لا يتم فيها استخدام المركبات المصنعة مثل المبيدات الحشرية والأسمدة الكيميائية والهرمونات خاصة بعد اصبحت المنتجات العضوية عنصراً هاماً في التنافس الإستراتيجي لتجار المنتجات الزراعية في كثير من دول العالم، حيث تقدر الاحصاءات المتاحة قيمة الأسواق العالمية للمواد الغذائية العضوية والطبيعية بنحو 220 مليار دولار أميركي بينما تقدر قمية الأسواق الآسيوية بنحو 500 مليون دولار أميركي فقط، ما يوضح آفاق النمو الهائلة لهذين السوقين المتميزين بكثافة سكانية عالية جداً.

في حين تقدر مصادر في المنطقة قيمة سوق المواد الغذائية العضوية في دول مجلس التعاون الخليجي بأكثر من 300 مليون دولار أميركي مرشحة للارتفاع السريع في المستقبل المنظور. التوجهات العالمية تنصب كلها لصالح الخضروات والفواكه العضوية، ولكن في المقابل لا احد يضمن بان تلك المنتجات خالية تماما ومطابقة للمواصفات العالمية خاصة وان بعض الدول المنتجة لهذه الأطعمة تخفي بعض الحقائق وتسمح بختم شهادات على عبواتها تؤكد بأنها عضوية لترويجها الامر الذي يتطلب التدقيق والرقابة على الخضروات والفواكة التي تردنا من معظم بلدان العالم اسوة بـ اميركا واليابان والعديد من الدول التي لديها مراكز ومختبرات لفحص الخضروات والفواكه .

وتمنح وفقا لنتائجها شهادة للمزارع او المنتج تؤكد خلوها من المواد الكيمائية المضرة بصحة الانسان، وهي للاسف غير موجودة في منطقتنا سوى في دولة واحدة هي مصر، وهنا يكمن مربط الفرس في ارتفاع نسب الاصابة لدينا بالامراض السرطانية وغيرها من الامراض التي غالبا ما نعزوها للقدر.

تحقيق ـ عماد عبد الحميد