قال الشيخ: الأصل في الحياة الدنيا انها دار ابتلاء وليست بدار سعادة وهناء، فالحق سبحانه وتعالى يقول (الذي خلق الموتى والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) أي أننا وجدنا أصلاً للابتلاء والاختبار والحق سبحانه يقول: «ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون» فتقلب الأحوال ما بين ضيق وسعة وخوف وأمن ومرض وسلامة، كل ذلك من قبيل البلاء الذي أراده الحق سبحانه وتعالى لنا وخلقنا من أجله، أما من أرادها دار سعادة وهناء ويسر وسعة لا يشوبها شائبة فليبحث عن أرض غير هذه الأرض ليعيش فيها حسب أحلامه المستحيلة.
والحق سبحانه وتعالى يقول «ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم» فالجهاد بأوسع معانيه من جهاد النفس إلى جهاد البناء إلى جهاد رفع كلمة لا إله إلا الله والذود عن حياض الأمة أرضاً وبشراً وعرضاً وفكراً، والصبر على الابتلاءات النازلة بالعبد وهو في سعيه في الحياة الدنيا، هما أصل وسبب وجودنا على هذه الأرض وليس أمراً «عارضاً» لنشتكي منه أو نتذمر.
والحق سبحانه وتعالى يقول (ونبلوا أخباركم)أي نشهدكم على أنفسكم ونشهد أهل السماء والأرض عليكم وعلى أفعالكم وعلى جهادكم وصبركم أو تراخيكم وتهافتكم، أما هو عز وجل فقد علم أزلاً «بما سنكون عليه اليوم وغداً» وحتى يأتينا اليقين.
والحق سبحانه وتعالى يقول (الم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين).
فآمنا.. هو ادعاء يصدقه الصبر على الفتنة والبلاء، وهذه سنة الله في أرضه هي علينا كما كانت على الأقوام السالفة وما الحياة الدنيا إلا وقفات عابرة لفرز الصادقين عن الكاذبين.
وأقول وقفات عابرة لأن أي ألم مهما كان فهو في النهاية زائل، وكم مررنا بأيام أثقلت علينا ثم طواها النسيان مع آلامها التي كنا نحسب أنها لن تتزحزح، ثم إن عمر الحياة الدنيا كلها من أولها إلى آخرها لا يقاس بالنسبة للآخرة والخلود فيها، فصبر ولو أخذ العمر كله يهون أمام هناء النعيم في جنة الخلد.
وقد مر معنا أن البلاء عام يصيب المؤمن والكافر والتقي والفاجر، فالابتلاء حاصل في الدنيا ونحن بين راض وصابر ومسلم لربه وبالتالي هو فائز بإذن الله برضا ربه ورافض ومتبرم وشاك وناكر وبالتالي هو مستحق لأعظم الفتنتين وأكبر البلاءين وأشد المحنتين، وهي فتنة وبلاء ومحنة الآخرة التي لا فرار منها.
إن الابتلاء حاصل في الدنيا، وهو حاصل في القبر، وفي البرزخ وعلى الصراط، والحق سبحانه وتعالى ـ كما أسلفنا ـ يدافع عن الذين آمنوا ان هم رضوا وصبروا ويسدد خطاهم بان يهديهم إلى ما فيه الخير في كل خطوة من خطواتهم، وبعدد الأنفاس التي يتنفسونها حتى إذا رحلوا عن هذه الدنيا دخلوا في أنوار البرزخ ثم امن الآخرة ونعيم الجنة.
في حين أن من جحد وأنكر فإنه يستغني عن مدد ربه وعونه له ودفعه عنه وهدايته له، فيزيده ذلك تخبطاً وقد يستدرج إلى بلاءات أعظم حتى إذا جاءه الموت بدأت رحلة البلاء والعذاب الحقيقية التي يهون إلى جانبها كل بلاء لم يصبر عليه في الدنيا.
إذن فمن يرفض البلاء لم يفهم سر وجوده وسببه وانه ما أتى إلى هذه الحياة الدنيا إلا ليكدح فيها (لقد خلقنا الإنسان في كبد) ومع كل هذا فإننا ندعو الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا عبيد إحسان لا عبيد امتحان، وقد علمنا الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم أن نسأل الله العافية.
ماهر سقا أميني
