ظاهرة الكراهية والوقيعة والعداء بين الناس من المظاهر الإنسانية التي تفرض نفسها على المجتمعات من آن لآخر وتحمل الكثير من التأثيرات السلبية المدمرة على المجتمعات ككل؛ وخلال الآونة الأخيرة شاعت مقولات التحريض ضد الآخرين، لكن كيف تعامل الإسلام مع تلك الإشكالية، وما سبل الخروج من تلك المتاهات والدهاليز وعودة ثقافة التسامح من جديد؟ تساؤلات أجاب عنها علماء الدين عبر السطور التالية.
الدكتور أحمد السايح الأستاذ بكلية أصول الدين جامعة الأزهر اعترف بداية أن ثقافة الكراهية هي المسيطرة على واقعنا السياسي والاجتماعي ليس في المنطقة العربية فحسب؛ ولكن في العالم بأكمله، وذلك بسبب ترسبات الماضي، خاصة أن النصف الثاني من القرن العشرين أنجب كل الموبقات، وولد كل الأحقاد، وزرع الكراهية بين المجتمعات؛ حيث بدأ الانشقاق في المجتمعات العربية بعد إحياء النزعات الانقسامية، وتوحش الأحزاب الأيديولوجية، وممارسة الإقصاءات المذهبية والطائفية والدينية.
فتولدت شعارات متوحشة جاءت مع تفكير أجيال القرن العشرين الذين بدأوا اليوم بالهروب إلى انتماءات متنوعة تسعى إلى التطرف إلى حدود لا يمكن تخيلها أبداً؛ فاستمرت حالة التراشق بالكلمات وإصدار الأحكام بالتكفير، وتصيد الأخطاء بين العلماء وأصحاب الفكر والقادة فأثرت في استقرار الأمة وأمنها ووجودها، وأصابت العالم الإسلامي بتمزق فكري وسياسي وثقافي واقتصادي، في الوقت الذي نحن فيه في أمس الحاجة لوجود الفكر والقيادة وبت مشروعات الأمة الحيوية التي تعلي شأنها، وتصلح أوضاعها.
الحل الذي يطرحه السائح تجاه هذه الإشكالية، يتمثل في ضرورة أن تعمل الأمة العربية بأكملها بروح الفريق، في تحديد المخاطر، وتوحيد الرؤى، وتسيير شؤون المجتمعات الإسلامية، ورفض الاتجاهات السياسية والمذهبية التي تشعل الفرقة وتزيد الانقسام حتى تتوحد المواقف وتعلو قيمة الكلمة التي تنبثق عن فكر الجماعة وتجعل العدو يتخوف منا، وإن كان أكبر دليل على ذلك ما حدث من مواقف متفرقة عند الاعتداء على غزة جعلت العدو الصهيوني يزيد أطماعه، وينشر قواته، ويقتل ويدمر بكل ما أوتي من قوة.
يضيف الدكتور محمد أبو ليلة أستاذ الدراسات الإسلامية، أن المجتمعات اليوم تختلف عن بعضها البعض بما تمتلكه من مخزون ثقافي للكراهية والأحقاد التي أصبحت بديلاً لروح المحبة والتسامح والألفة، ذلك في الوقت الذي نجد فيه مجتمعات أخرى استفادت من تجاربنا المؤلمة ومن تعاليم الإسلام، وأصبحت مجتمعات متحضرة يسودها الاحترام المتبادل والهدوء وقبول الآخر؛ عكسنا نحن أصبحنا نكره بعضنا..
ويتساءل أبو ليلة: ما الذي شتت الوازع الإنساني الذي بشرت به كل الأديان؟.. وما سر الفرقة التي غدت علامة فارقة لأمتنا العربية؟.. وما سر التعلق بتاريخ يمتلئ بكل البشاعات؟.. وما سر الهروب من الحاضر الصعب؟.. وما سر كراهية المتعصبين لكل من يخالف فكرهم أو يعارض أسلوبهم؟.. وكيف أينعت ثقافة الكراهية في القلوب؟ انطلاقاً من هذا ينبه أستاذ الدراسات الإسلامية، إلى ضرورة العمل على تحقيق التواصل مع مختلف الشعوب والأمم من خلال الصورة الوسطية للإسلام والتركيز على القيمة المشتركة والأهداف الإنسانية العالية، ودراسة أسباب الفرقة التي تسود صفوف الأمة، والتأكيد أن قيام الأمة الإسلامية أمانة عظيمة أمام الله، ثم أمام الناس..
مشيراً إلى أن دور العلماء يتجلى في حوارات متعددة كل في تخصصه، خاصة قادة الفكر والرأي والحكم والسياسة لدراسة قضايا الأمة ومشكلاتها وعوامل الفرقة والانفصال التي تعلي من المصالح الشخصية النفسية، وتتجاهل المصلحة العامة بشرط أن تكون الشريعة الإسلامية هي المنهج لتحقيق مصلحة الأمة، وإن كان أهمها الهداية إلى الصراط المستقيم، والاتحاد والقوة، وعدم الفرقة ونيل رحمة الله وفضله وكرمه والتمسك بحبل الله المتين وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
يتدخل في الحديث الشيخ محمود عاشور، وكيل الأزهر السابق، مؤكداً أن التحديات التي تواجه الأمة العربية والإسلامية تفرض على أبنائها الوعي ودراسة هذه التحديات والعمل على مواجهتها بقوة وفق أسس علمية ومنهجية معاصرة إلى جانب الإخلاص والتعاون والتضامن لتحقيق الأهداف التي تزيد من قوتنا أمام الأعداء.
يوضح أن هذه المسؤولية تقع على عاتق العلماء والنخب المثقفة التي يأتي دورها الرئيسي في تجاوز الفرقة وعوامل الانقسام والمعوقات التي تمنع النهوض؛ كما أن مسؤولية القيادات الإسلامية لا تقل أهمية في تحقيق آمال الأمة وصيانة مقدساتها وترسيخ تكاملها وتوظيف مواردها لخدمة قضايا الأمة بأكملها.
ويشير الدكتور محمد عبدالرحمن المراكبي، الأستاذ بجامعة الأزهر، إلى أن جميع المجتمعات قد تحركت لتتخلص من بقاياها الأليمة، وأوضاعها القديمة إلا مجتمعاتنا الإسلامية والعربية التي لم تزل تنتظر الاعتذار دون جدوى، وهي لا تعرف روح المصالحة أو تنمية التفكير أو حرية الرأي أو حياة المؤسسات، ولم تستفد من تجارب حضارات أخرى تعلمت من تجاربها السياسية والاشتراكية واعترفت بالآخر، ولم تقمعه، وتصالحت معه، ولم تخف منه.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية


