«شريف» يعمل موظفاً في القطاع الخاص والى جانب عمله دخل عالم (سمسرة الشقق) ليتحول بين ليلة وضحاها إلى سمسار يشار إليه بالبنان. وعندما تضخمت جيوبه من الأموال ترك عمله في الشركة ليتفرغ لهذه المهنة. أنه لا يملك ترخيصا من مكتب عقاري لتأجير الشقق ولا يمتلك أي خبرة في مجال التسويق، لكنه يمتلك علاقات مع (نواطير) البنايات والملاك ورقم هاتف مخصص للتواصل مع من يبحث عن شقة.

ويتقاضى شريف في عمله بالسمسرة مبلغ 5% من قيمة الشقة التي يتم تأجيرها ـ من خلاله ـ وقد يصل دخله الشهري إلى 40 ألف درهم وكل ما يقوم به هو نشر إعلان مجاني من سطرين في الصحف الإعلانية عن توفر شقق بأسعار مناسبة.

وفي المقابل يسكن فراس في مدينة خليفة (أ) في استوديو يبلغ إيجاره السنوي 70 ألف درهم ويعمل في إحدى الشركات داخل مدينة أبوظبي ليقطع يومياً مسافة تزيد عن 7 أميال صباحا ومساء، كما الحق أطفاله في مدارس بعيدة عن المنطقة التي يقطنها لعدم توفر مدارس مرجعا ذلك إلى ارتفاع أسعار الشقق السكنية داخل المدينة. يقول: «وجدت نفسي مضطرا إلى السكن بعيدا لأنني لم استطع تحمل دفع ما قيمته 120 ألف درهم إيجار للشقة المكونة من غرفة وصالة داخل المدينة إضافة إلى عمولة السمسار».

حال فراس ليس غريبا في أبوظبي لان هناك المئات من السكان يشاطرونه هذه المعاناة في عدم توفر شقق سكنية مناسبة وبأسعار متوسطة للسكن داخل المدينة ما يضطرهم إلى السكن على أطرف المدينة في المناطق الجديدة - والتي تفتقر إلى الآن إلى العديد من الخدمات - هربا من طمع وجشع بعض الملاك أو السماسرة والمستثمرين الذين يقومون باحتكار الشقق لتأجيرها إلى آخرين بأسعار خيالية.

وقدرت الاحتياجات السكنية للإمارة للفترة المقبلة وفق دراسة أعدتها غرفة صناعة وتجارة أبوظبي بنحو 28 ألف وحدة سكنية. بعض أرباب الأسر وجد الحل بإعادة أسرته إلى بلده الأصلي لعدم تمكنه من توفير مسكن مناسب لهم يتوافق مع دخله الشهري واضطر هو إلى السكن مع أشخاص آخرين من الباطن بحيث يشترك أشخاص عدة من العزاب بمسكن واحد بهدف تخفيف العبء عن كاهلهم والقدرة على دفع القيمة الإيجارية.

زينة متزوجة ولديها ولدان وابنتان تسكن مع زوجها في بناية قديمة تفتقر لأدنى معايير السكن الآدمي في منطقة النادي السياحي وبالرغم من ذلك تتفاجأ برفع قيمة الإيجار سنوياً من قبل المالك وبشكل يخالف القيمة التي أقرها قانون الإيجارات في أبوظبي ويتعلل وكيل البناية بأن الأسعار ارتفعت وبأن عدم توفر أماكن للإيجار دفع الملاك والمستثمرين لرفع الإيجارات سنويا على طريقة من لم يعجبه الحال فإن هنالك آخرين يعجبهم، بل يتمنون أن يحظوا بهذه الشقة في ظل الأزمة الخانقة للسكن.

وتقول زينة بحثت عن شقة أخرى وبسعر مناسب، إلا أنني لم أتمكن لأن معظم الشقق الحالية، إما إيجاراتها خيالية وخاصة الجديدة منها، أو لأن من يستأجرها يقوم بتأجيرها من الباطن، وبالتالي فإن إقامتي في هذه النوعية من الشقق يعتبر مخالفا للقانون وغير شرعي ولا يوجد عقد بيني وبين المؤجر من الباطن، كما أن هؤلاء الأشخاص يطلبون مبالغ خيالية كخلو بحيث تكون إيجار الشقة 40 ألف درهم ويطلب المستأجر الحالي مبلغ 90 ألف درهم خلوا ليتنازل عنها.

خبراء ومتخصصون عقاريون أكدوا أن تغاضي الملاك عن هذه الممارسات التي يقوم بها البعض من المستأجرين ومخالفتهم لشروط التعاقد تعتبر العامل الأساسي في انتشار ظاهرة التأجير من الباطن خاصة مع إلغاء دائرة المباني التجارية التي كانت تتولى عملية التأجير فيما مضى وتمنع التنازل عن الشقق من شخص لآخر إلا وفق ضوابط لمنع ظاهرة الخلو إضافة إلى توفيرها شقق بأسعار مناسبة. هذه الأزمة تشعبت عنها العديد من الظواهر التي قد يراها البعض سلبية وغير حضارية فيما يراها آخرون حلا سريعا ومؤقتا لعلاج المشكلة.

حيث بدأنا نرى فللاً يقوم صاحبها بتقسيمها إلى استوديوهات أو غرفة وصالة مع تركيب إضافات مثل حمامات أو مطابخ لتتحول إلى شقق صالحة للسكن أو بالإمكان تحملها وحسب وجهة هؤلاء الملاك فإن هذه النوعية من الشقق تساهم في حل أزمة عدم توفر شقق صغيرة وفي ذات الوقت تضع أموالا كبيرة في جيوبهم وجيوب المستثمرين لأنها تدر عليهم أموالا أكثر مما لو تم تأجير الفيلا لعائلة واحدة فقط.

وأمام تهديد البلدية وتوعدها بفرض جزاءات مشددة على هؤلاء الملاك المخالفين الذين يؤجرون مساكنهم بتقسيمها إلى وحدات صغيرة، نجد أن اللامبالاة هي شعار الملاك. وعلى حد قول احدهم (فليخالفونا ولكنهم لن يستطيعوا إلقاء مئات المستأجرين إلى الشارع).

أموال محرمة

الداعية الإسلامي الدكتور أحمد الكبيسي أكد أن ما يسمى بالخلو أو الحصول على أموال من قبل المستأجر للمؤجر من الباطن تعتبر مخالفة شرعا ولا تجوز وتدخل في الأموال المحرمة التي يتقاضاها هؤلاء لأنها ليست حقا لهم خاصة إذا ما تمت دون علم صاحب العقار وخالفت شروط العقد المبرم مع المالك بعدم التأجير من الباطن.

وهنالك نظرة تفاؤل من قبل بعض الخبراء في مجال العقارات تؤكد بداية انحسار الأزمة بحيث بدأت أسعار الشقق الكبيرة المكونة من ثلاث غرف فأكثر بالانخفاض، وأن هذه مقدمة لانخفاض الشقق الصغيرة، لكن يؤكد آخرون أن أزمة وجود شقق مكونة من غرفة وصالة كانت وما زالت وستبقى هي الأزمة الحقيقة نظرا لارتفاع الطلب عليها مع عدم توفر ما يكفي من هذه الشقق لتلبية الطلب المرتفع.

ماجدة ملاوي