لم أجرؤ على أن أسأل لماذا يحدث أو حدث معي ذلك؟ رغم تعرضي للتجربة ذاتها لثلاث مرات، اثنتان انتهتا بعد سنة واحدة لكل منهما، بينما الثالثة فقد انتهت قبل أن تكتمل مراسمها أو طقوسها.

بعدما خرجت من تجربتي زواج بالطلاق، صرفت النظر عن إعادة التجربة، لكن تقاليد سكان الجبال، وخاصة إذا كانت الفتاة ذات جمال ومن عائلة ذات جاه ومال، فإن الجميع يتطوع بتقديم الاقتراحات والترشيحات لها، لكون الذهنية في تلك المناطق لا تزال تحتفظ بنقاء السريرة، ذهنية لا تحمل أي من الطرفين مسؤولية الطلاق، وإنما تحيله إلى النصيب، الذي لم يشأ له الله أن يجمعهما معا لأكثر من ذلك.

كنت شابة أتمتع بجمال منتصف العقد الثالث، حين تقدم لخطبتي رجل معروف بثراء ومركز لا يقل عن مكانة عائلتي، ولم أكن احتاج وقتا للتفكير في العرض فقد كانت الإجابة جاهزة مسبقا وهي الرفض القاطع بالطبع، لكنه لم ييأس فأرسل شقيقته ووالدته، لكني لم أتراجع عن الرفض، خاصة أني خضت تجربتين واكتفيت بكل منهما بولد. لكنه ظل على إلحاحه، علماً أن لديه زوجة، أكد موافقتها له نظرا لقدرته المادية، وسمعته الطيبة وحسن أخلاقه.

لكني لم أتأثر بذلك فقد كان قراري مبيتا عنه وعن سواه. وما كان منه إلا أن لجأ إلى أمير البلاد يوسطه في طلب يدي، لعلمه أني بمثابة ابنة له لكوني ترعرعت أمام عينيه كما بناته معهن.

وبالفعل تدخل الأمير وأبلغني رغبة الرجل في الاقتران بي، وأنه سيلبي كل طلباتي وشروطي، ولم يصدق أني ليس لدي شروط أو طلبات كل ما في الأمر أني حقا لا ارغب بالزواج. ومن أجل خاطر الأمير ومكانته عندي استجبت، وعلى مضض قبلت. ومباشرة بدأت المباحثات بين العائليتين لتحديد موعد القران العاجل الذي حدد بعد يومين.

وفي اليوم المحدد أعددت نفسي بالزينة والحلي والثياب المرصعة لكوني سأصبح عروسا بعد ساعات. أقيمت وليمة ضخمة وحضر الشهود والمدعوون ليشاركوا مراسم عقد القران، وحضر المأذون حسب الاتفاق مع العريس في الساعة المقررة، لكن العريس لم يحضر، ومرت ساعة وساعتان وثلاث، ثم بلغنا أن الرجل قد انسحب من المشروع بسبب اعتراض الزوجة في اللحظات الأخيرة.

وسحبت موافقتها حين علمت بأن العروس هي أنا. نظرت إلى زينتي وكفوفي المخضبة بالحناء وثوبي المرصع واستسلمت للصمت المطبق. لكن الحكاية لم تنته، والموقف لم يتم بعد فما زالت فيه فصول تعد، وما كادت تمضي الساعة الخامسة ولا يزال في الليل متسع، حتى بعث الرجل برغبته في إتمام عقد القران، كان الناس قد انفضوا وهم يسحبون ارتالا من جرحي في نفوسهم وثرثراتهم.

كنت قد تخلصت من مظاهر التزين وألقيت بحليي وخرجت من صمتي المؤقت لأنضم مبتسمة إلى أفراد الأسرة وهم مندهشون وكان شيئا لم يكن، حين وصل مرساله إلى والدي مجددا رغبته في الليلة نفسها، أسرعت إلى الأمير بنفسي وأبلغته ما حدث وأنا أتبسم، فوجدته يتدفق بحنان أبوي يفخر بابنته، لكونها تعرف ما تريد، مؤكدا حقها في اختيار ما يناسبها من الحياة.

أم حمدان - الفجيرة