من هنا في الشارقة جنب بحيرة خالد وتحت هذه النخلة تشاء الأقدار بعد رحلة كفاح طويلة دامت خمس سنوات على تخرجي من الجامعة أن أكون هنا في الشارقة رغم أنها لم تكن من الوجهات التي حددتها لتحقيق أهدافي بل مشيئة الله وكفى.

مضى على وجودي قرابة الثلاث سنوات في العمل نفسه والبيت نفسه. لم يكن هذا هو الحال الذي طمحت إليه حين ظننت بان بلداً ثانياً غير بلدي هو الذي ستتحقق فيه أحلامي. لكنني أجد نفسي الآن في عمل رتيب عقيم، الشيء نفسه يعاد. فقط الأسماء والتواريخ هي التي تتغير. وأنا التي كنت أحلم بعمل يرفع من قدراتي وإمكانياتي، بعمل أضع فيه كل مهاراتي ومواهبي، ويكون منفذ إبداعي ومصدر الهام مستمر، لكن للأسف.

أجدني حائرة لا أدري إن كانت الأقدار هي التي لم تشأ أو أنني التي لم تسع بما فيه الكفاية؟

لا أنكر أنني كنت متصلبة لآرائي ومبادئي ولم أكن مرنة، لكن هذا الداء لم يدم طويلا فوفقني الله في أن أكتشفه مبكرا وأن أسعى للتداوي منه، بعدما وصلت لقناعة إن بقيت متزمتة لأرائي ومستمرة في تحديد هدف واحد والسعي لتحقيقه بطريقة واحدة قد لا أصل، فسرعان ماتداركت نفسي وبدأت أبحث في داخلي وأقنع نفسي بضرورة وضع خيارات لنفسي لأريحها.

وخطوة خطوة بدأت أحاور نفسي في إمكانية ان أكون على خطأ في وضع هدف واحد واشتراط مجال عمل واحد، وأن العمل الذي أطمح إليه قد لا يكون في الواقع بالصورة التي رسمتها له في مخيلتي.

لا ينطبق هذا الأمر على مجال العمل فحسب بل كذلك في حياتنا الخاصة، وقد يكون الأمر أكثر خطورة فالتزمت لمبدأ واحد وعدم المرونة في الأخذ والرد وعدم قابلية الاستماع للآخر والتفكير في إمكانية أن يكون على صواب قد تضيع فرصا من حياتنا.

وعلى سبيل المثال التي أو الذي يقول أنا لن أتزوج إلا بشخص أعرفه ويعرفني، وأنه يجب أن ينشأ بيننا حب أو على الأقل إعجاب، قد تكون نظريته خاطئة أو ممكن صائبة، فالحياة مليئة بأناس تزوجوا بعد سنوات من الحب والهيام لكن زواجهم لم يعمر شهورا بل أياما، وهناك أناس تزوجوا من دون سابق معرفة مطولة لبعضهم البعض ودام زواجهم سنين! هي الحياة جميلة كما خلقها الله.

فلا أسلم لنا من أن نكون مرنين لكن غير مزعزعين، فالاستماع للآخر لا يعني الانصياع له، والأخذ بنصائح ذوي الخبرة لا يعني الضعف أو عدم القدرة على اتخاذ القرار، بل على العكس تماما، ففي ذلك قمة القوة وجوهر التواضع، فأنت بذلك تعطي نفسك أكثر من فرصة وأكثر من خيار أو بديل، زد على ذلك الاستفادة من تجارب الآخرين، فالرأي الذي تأخذه من أحدهم في دقائق أو ثوان يكون صاحبه قد خلص إليه بعد مراحل قد تحتسب بالسنين.

فتيحة حواء