بعد مرور ما يقارب ثمانية أشهر على حالة الرعب التي اختلقتها بعض الأطراف للتهويل من مخاطر انتشار «اتش 1ان1» بدأت غيوم الغموض تنقشع تدريجيا، فالمرض الذي أعلنته منظمة الصحة العالمية بأنه اكبر وباء يهدد البشرية في الألفية الثالثة وسط توقعات بان يحصد المرض الملايين من الأرواح،لم يودي لغاية الآن سوى بعشرة آلاف شخص، ولا احد يدري ان كانت هذه الوفيات ناجمة عن المرض أو أمراض أخرى.

التصريحات والتهويلات التي فجرها بعض مسؤولي منظمة الصحة العالمية إبان ظهور المرض، تزامنت مع هجمة شرسة شنتها بعض وسائل الإعلام الغربية، ولحقت بهم وسائل إعلامنا العربية من مبدأ المتبوع والتابع، دفعت ببعض دول المنطقة لإعداد مقابر جماعية لدفن ضحايا المرض، ودفعت بالعديد من دولنا العربية التي تئن مؤسساتها الصحية تحت وطأة التخلف والتأخر، إلى التهافت لحجز طلبياتها من اللقاحات التي تم تصنيعها على عجل لمواجهة وباء العصر.

ولنا ان نتخيل مثلا ان دولة لا يزيد تعداد سكانها عن 5 ملايين نسمة تخصص ما يزيد عن 50 مليون دولار لشراء حاجياتها من اللقاحات التي لم يستخدم منها سوى بضعة آلاف، فيما كدست الكميات المتبقية في المستودعات والمخازن، وعلى الأرجح لن يتم استخدامها لان المرض دفن في أرضه كما ان عمليات التطعيم من المرض اختيارية لا اجبارية، وبالتالي من المتوقع ان يكون الإقبال على اخذ اللقاح محدود جدا ولاسيما ان البعض قلل من فعاليته.

احد خبراء منظمة الصحة العالمية كشف مؤخرا ان «انفلونزا الخنازير» لا يختلف عن الانفلونزا الموسمية الا بالاسم، واللقاح الذي روجته شركات عالمية ضالعة لا يختلف عن لقاح الانفلونزا الموسمية المتداول منذ عشرات السنين.

«انفلونزا الخنازير» الذي وصفته منظمة الصحة العالمية بأنه من اخطر واشد الأمراض فتكا في العصر الحديث، تبين العكس فالتوقعات بوصول انتشار المرض ذروته في الشتاء لم تصدق، وموسم الحج الذي كان متوقعا ان يشهد اكبر بؤرة لانتشار المرض مر بسلام، لا بل على العكس كان من أكثر مواسم الحج نجاحا، والوفيات القليلة التي أعلن عنها كانت معظمها لأشخاص تعدوا السبعين ولديهم أمراض مزمنة ومستعصية.

ورغم ذلك لم يتطرق احد للانفلونزا الموسمية التي تقضي سنويا على أكثر من 300 ألف شخص، ولم تحظ بهذا الكم من التهويل والمبالغات الإعلامية التي تفردت بها، بعض وسائل الإعلام، لتحقيق مآرب وتطلعات بعض الشركات المصنعة للقاح، خاصة في وقت كانت تعاني منه هذه الشركات من كساد وركود بسبب الأزمة المالية العالمية التي اجتاحت معظم دول العالم.

ظهور «اتش 1ان 1» ليس جديدا، فقد سبقه ال«سارس» وبعده بسنوات ظهر انفلونزا الطيور ومن ثم انفلونزا الخنازير، الذي لم تكد تنتهي موجته حتى اطل علينا مرض جديد هذه المرة هو انفلونزا الماعز، ولا احد يعرف ماذا سيحمل الغد، ولكن علينا ان نعي مثل هذه الأمور جيدا، ونطلب الحد الأدنى من باب الإجراءات الاحترازية، بدلا من تكديسها في المخازن والمستودعات، على هدي ان المؤمن «لا يلدغ من جحر مرتين».

عماد عبد الحميد