تتقاطع خطوط الحياة مع قلوبنا بشكل دائم، لدرجة لا ندرك معها في إي طريق نحن سائرون. فالحياة تأخذنا بين طياتها لنتوه معا بين الحلم والواقع، ومع ذلك لا نتوقف حتى تحين دقيقتنا الأخيرة، وخلال مسيرتنا نقابل وجوها كثيرة بعضها نألفه وآخر نجهله، وبينما نجد الكثير ممن تعلوه خطوط الحزن والنزق فلا تكاد تختفي حتى تتعمق في ملامحهم فلا يعيشون في فرح ولا ما يحزنون، وكأن قلم الحياة يأبى أن يكتب لهم حروف هذه الكلمة في دفاتر يومياتهم، وتتركهم يندبون حظهم العاثر لذلك اليوم الذي رأوا فيه الشمس، لأنهم لا يجدون من يضحك في وجوههم، وكأن صدقة الابتسامة لم تعد موجودة عند الآخرين.

هكذا شعرت للوهلة الأولى وهو يروي أمامي حكايته، واعترف إنني أجهدت تفكيري كثيرا لأجد أسبابا ابرر بها ما يحدث ولكني فشلت، لأنتهي إلى قناعة ان هذه هي رغبة الأب الذي حرمه من كل شيء ومن قبلها مشيئة الله.

يقول رفيقنا: وجدت في هذه الحياة مع إطلالة ذلك اليوم، حينها لم اشعر بأن الجميع يضحك في وجهي ولم افهم لماذا، دبت الحياة في روحي وأخذت أحبو على سلمها كغيري، ومع كل يوم كانت قناعتي تزيد بأن والدي «لا يرغب» بي أو «لا يحبني» ان شئت، ولم افهم السبب، فقد حرمت منذ اليوم الأول من نهر حنانه ليبدو لي وكأنه قد جف من منبعه، في حين كنت أرى سيلا جارفا مع إخوتي، فكل ما يطلبوه مجاب ألعاب، مال، رحلات..الخ، ولم يكن لي نصيب فيها، الأمر الذي كان يربكني في مرات عديدة ويدعوني إلى الهرب من عيون والدي الحمراء، في أحيان كثيرة كنت اختلس النظر إلى إخوتي وهم يلعبون، ومرات كثيرة كنت أحاول سرقة ألعابهم لبعض الوقت حينما تغرق عيونهم في النوم.

كبرت وكبر همي معي، وفي كل عام كنت أحلم بأن الوضع سيتغير بعد حين، ولكن أحلامي كانت أشبه بالسراب، كبرت وشارف مشوار دراستي الثانوية على الانتهاء، وقد سبقني إليه إخوتي الذين أدخلهم والدي إلى أفضل الجامعات، ولم يكن لي فيها نصيب، فاضطررت للالتحاق بسوق العمل في إحدى شركات والدي، وبدأت فيها كأي موظف ينتظر آخر الشهر ليحصل على فتات، في عملي كنت مخلصا وكانت لي أحلام الموظف بالترقية واستلام منصب عال، ولكن ذلك لم يحدث، وكنت اعزي نفسي قائلا بان الله لم يشأ بعد.

وبينما كنت ازحف في السلم الوظيفي كان إخوتي ينطلقون بأسرع ما يمكن، فوالدي كان يتحين الفرص لترقيتهم، ومنحهم ميزات لا تخطر ببالي حتى في الحلم، وفي كل مرة أجدهم يتطورون بسرعة وإنني ما زلت في بداية الطريق، والسبب غير معروف لدي، فتلك هي إرادة الله، ورغم ذلك ما زلت أقف بباب الانتظار.

بلا شك ان هذا مقطع صغير من رواية طويلة امتدت أحداثها على سنوات طويلة، ورغم أنها واضحة البداية ولكن ما زلنا جميعا نجهل نهايتها، وتقاطعاتها في هذه الحياة. ويبقى السؤال معلقا إلى ما لا نهاية.. لم يفرق الآباء بين أولادهم فلا يعدلون؟

غسان خروب