يتفاوت البشر في طريقة تفاعلهم مع العناصر البيئة المحيطة بهم، فهناك من يحب العيش وسط ضجيج الناس وأصوات أبواق السيارات وغيرها من الأصوات التي تصدر عن الكائنات الحية أو الجماد، وعلى العكس من هؤلاء، هناك من يعشق الهدوء طوال اليوم وفي كل الحالات، بينما الفئة الوسيطة لا تأبه بضجيج النهار وتشعر بالاستئناس به، ولا تحب ضجيج الليل الذي يحرمها النوم.

ولما كنت من عشاق الهدوء الدائم، فقد غادرت سكني في وسط مدينة القاهرة حيث صخب أصوات الكاسيت والمقاهي والمحلات التجارية، إلى شقة في مدينة 6 أكتوبر على أطراف العاصمة، اخترتها بعناية فائقة وراعيت أن تكون آخر بناية في صف البنايات بحيث تكون بعيدة عن الضجيج، أيضاً اخترت الطابق الأخير تفادياً لأية أصوات قد تصدر عن السيارات التي لا تمر من الشارع مرور الكرام، لأنه غير مرصوف ويؤدي إلى الصحراء ليس إلا، أيضاً اخترت الشقة التي تقبع في نهاية البناية من الطرف المنعزل، ونمت في أول الأيام نوماً هادئاً، وأحسست أن معاناتي قد انتهت، إلا أنني كنت واهماً.

في اليوم التالي لاستلامي الشقة وإقامتي بها ظهر الباعة المتجولون ينادون على بضائعهم بأعلى الأصوات منذ الصباح الباكر، تداخلت أصواتهم على نحو غير مرغوب، وتنافسوا فيما بينهم على إيقاظ عباد الله في هذه الأوقات المبكرة، وانهار حلمي في الشعور بالهدوء.

ولم تمضِ سوى أيام حتى تركت القاهرة وحضرت للإقامة في الإمارات وتحديداً في عجمان، ذكرتني زوجتي بضرورة اختيار بناية تتوافر بها شروط الهدوء بصرف النظر عن قيمة الإيجار السنوي وباقي الشروط، وأكدت لها أنني لا أُلدغ من جحر مرتين وأن اختياري سيراعي هذا الأمر، وهنا لا يوجد باعة متجولون والهدوء سيد المكان.

واخترت أحد الأبراج التي توسمت فيها عدم وجود أية مصادر للإزعاج، في أحد أحياء منطقة النعيمية المعروفة بالهدوء، ولكن أيضاً لم يساندني حظي هذه المرة، فقد أصاب عطل مزمن أحد مولدات الطاقة في البرج، وأصبح يصدر ضجيجاً مزعجاً ودائماً.. سألتني زوجتي بحسرة: هل أصبح الهدوء عملة نادرة في هذا العالم؟

أيمن حجازي