لا تزال المحاولات التي تتصدى لمناقشة قضية التحرش والاعتداء على الأطفال بعيدة عن الولوج من بوابة الأسباب الحقيقية التي تقف وراء هذه المسألة، بحيث لا تعدو كونها مجرد محاولات إحصائية وفي أحسن أحوالها محاولات متعجلة أو منقولة من الكتب المتخصصة بعيداً عن الدراسات الميدانية المعمقة التي وحدها.
ووحدها فقط كفيلة بإتاحة الفرصة لنا للوصول إلى العوامل الحقيقية المؤدية لهذه القضية التي بدأت تأخذ طريقها لتتحول إلى ما يشبه الظاهرة، مع ما يحمله ذلك من قلق لمجتمع أبرز سماته أنه محافظ استنادا إلى خلفيته الثقافية والدينية على الرغم من الانخراط في مقتضيات الانفتاح الحضاري العالمي التي تجعل من الصعب على أي مجتمع أن يكون بمنأى عنها جراء اشتراطات الحياة الحديثة.وتبقى المسألة الأهم في هذا الإطار مرتبطة بعدم النظر إلى الأسباب المؤدية لهذه القضية على أنها متكئة إلى عامل واحد فقط، بل يجب إدراك أن جملة من العوامل النفسية والاجتماعية تقف وراء مثل هذه الانحرافات وحالات الشذوذ.
والتي هي جديرة بالمتابعة والقراءة الدقيقة غير الانفعالية، إلا أنه يجب أيضا إدراك أن التغيرات السريعة التي طالت بنية المجتمع الإماراتي كان لها نصيب الأسد في بروز مثل هذه الظواهر والتي طالت أول ما طالت النواة الأولى للمجتمع والمتمثلة بالأسرة التي فقدت الكثير من تماسكها في خضم التطورات الاقتصادية والاجتماعية السريعة، الأمر الذي حمل إلى الواجهة جملة من الظواهر السلبية التي لم تكن تذكر سابقاً.ولأن استعراض قصص التحرش بالأطفال وسرد تفاصيلها تحرك مكامن خوفنا وتصدمنا، فقد اعترف تربويون وأخصائيون نفسيون بأن سببها الرئيسي هو غياب دور الأسرة وخروج المرأة للعمل متنحية عن مهمتها السامية التي خصها الله بها وهي رعاية وتنشئة الأبناء، لافتين إلى أن بروز هذا النوع من الاعتداءات سببه التفكك الأسري وغياب الأب وانشغال الطرفين في تأمين متطلبات الحياة مع ازدياد صعوبتها، مؤكدين أيضا أن بداية العلاج تتجلى في الاعتراف بوجود هذه الآفة واستنفار كل آليات الدفاع في وعينا الجمعي والبحث عن الوسائل الدفاعية حتى ندرا الخطر ونحمي الصغار.
مشكلة محدودة
فاطمة السجواني الاختصاصية النفسية في منطقة الشارقة التعليمية قالت إن مشاكل التحرش موجودة في كثير من المدارس لكنها لم تصل حد الظاهرة إلا أن النسب الموجودة على قلتها يجب القضاء عليها - وهي مهمة مشتركة يشارك فيها أطراف المجتمع ككل-، مشيرة إلى أن الأهل كانوا يتعاملون مع موضوع التحرش الجنسي كنوع من المحرمات لا يجوز التطرق لها بالتصريح أو التلميح مما كان يشكل صعوبة علينا لمناقشة الأمر ووضع حلول له.
وذكرت أن تضمين المناهج بمواضيع حول التربية الجنسية أمر مهم لكنه خطير ويجب أن يتم وفق أسس علمية دقيقة بحيث تعطي هذه المواد نتائج ايجابية بهدف توعية الأبناء وعدم تغييبهم حد الجهل في مثل هذه المواضيع لأن واقع عملنا الميداني أظهر في كثير من الأحيان أن المتحرش لا يعي ماذا يفعل وأنه يمارس خطأ فادحاً لأنه ببساطة لم يتلق التوعية الكافية لتهذيب غريزته، مشيرة إلى أنهم كاختصاصيين نفسيين لا يجوز لهم الحديث بشكل صريح عن التربية الجنسية حيث تدرج مثل هذه المواضيع في إطار النمو الجسمي والنفسي للطفل .
خط الدفاع الأول
وذكرت أن البعض يرى أن التوعية الجنسية قد تفتح أذهان الأطفال على الجنس إلا أنها تعتقد أن التوعية يجب أن تكون ضمن إطار محدود وأن نستهدف بشكل خاص أولياء الأمور باعتبارهم خط الدفاع الأول عن أبنائهم، مضيفة أن أي حالة تواجههم تعامل بمنتهى السرية ويتم إشراك الأهل ونركز أولاً على الطالب الذي تعرض للتحرش ودائما يكون ضعيف الشخصية وهنا مهمتنا أن نقوي شخصيته وحضوره من خلال دمجه في فعاليات وأنشطة مجتمعية ومدرسية منوعة تساعد على تعزيز حضوره وتنسيه ما حدث لأن عدم تلقي الطفل المتعرض للتحرش للعلاج له تبعات غير صحية في الإطار النفسي.
بالنسبة للمتحرش تجد السجواني أن إيلاءه الاهتمام والعمل على ترويضه والتركيز على غرس الوازع الديني في نفسه أمور في غاية الأهمية وليس الاكتفاء بمعاقبته لأن عدم علاجه في الصغر يؤدي إلى خلق معتد في الكبر، ملقية باللائمة على أولياء الأمور الذي يكونون في غفلة عن أبنائهم، داعية إياهم إلى الالتفات وإحكام الرقابة والمتابعة الحثيثة والقيام بأدوارهم المطلوبة بشكلها الحقيقي ،موضحة بان الطفل المعتدى عليه هو «ضحية»، فمن الضروري التعامل معها على أنها حالة مرضية لابد من علاجها بسرعة وليس في التهاون بشأنها أو التكتم عليها.
الأخصائية والمستشارة الأسرية في هيئة تنمية المجتمع في دبي وداد لوتاه قالت إن حماية الأطفال من الاعتداء الجنسي هي مسؤولية الأسرة بالدرجة الأولى وحملت من خلال سردها لبعض قضايا التحرشات التي تابعتها وتحدثت بتفاصيلها عبر إذاعة الرابعة والناس إلى غياب الأم والأب، مؤكدة على أن واجب الأب والأم هو حماية أبنائهم من خلال تربيتهم التربية الصحيحة وتعليمهم كيفية حماية أنفسهم لكي تزيد نسبة إدراكهم وقدرتهم دون إخافتهم، مطالبة بمنح الطفل مساحة من الزمن والإصغاء إليه باهتمام حتى يشعر بالأمان.
غياب دور الأسرة
ويرفض الدكتور نصر محمد عارف رئيس قسم الدراسات الإسلامية في جامعة زايد وعضو لجنة صياغة المناهج تضمين المناهج الدراسية بمواضيع جنسية حتى وإن كانت في سياق الثقافة الجنسية المنضبطة، مشيرا إلى أن المشاكل الاجتماعية لا يجوز أن يتم تحويلها إلى مواضيع في المناهج الدراسية لأن المناهج تربي بما ينبغي أن يكون فلا تلغي أدواراً أخرى كدور الأسرة.
ومراكز الثقافة والأندية والمساجد، مضيفاً أن تضمين المناهج مواضيع عن الثقافة الجنسية أمر رفضته الدول الإسلامية ووقعت عليه لأن البحث والتدقيق أكدا أن الأثر السلبي سيكون بتعليم الطفل وتوعيته عن الممارسات الجنسية في مرحل سنية مبكرة.
المشهد حزين جداً من وجهة نظر الدكتور نصر عارف الذي طالب بتشخيص واقع الأمة العربية بدقة وتروٍّ لأن الإشكالية من وجهة نظهره أعمق، متسائلاً: أين دور الأسرة؟ فالأم مقصرة ومشغولة والأمومة تؤدى في أوقات الفارغ والعمل والتزين هما الأهم لديها، فيما تقدم الفضائيات مواد غير مسؤولة تدمر ثقافة أمة وتركز في مجملها على الجنس بطرق شتى.
فالتعري أصبح واقعا مفروضا تصدره الفضائيات التي لا تتوقف عن البث وفي الوقت الذي تمنع فيه بعض البرامج بالدول الأجنبية ولا تبث إلا في أوقات يكون فيها الأطفال في مدارسهم أو في وقت متأخر بعد نومهم تجدها تعرض لدينا في وقت تواجد الأطفال ودون أي رقابة تذكر، وحمل الدكتور عارف القنوات الفضائية الوزر الأول في تدمير أخلاق وثقافة جيل كامل من اجل تحقيق أعلى هامش من الربح وتسانده الأم التي غابت ونتساءل الآن عن ارتفاع نسبة الاعتداءات والتحرش الجنسي؟
تعزيز ثقافة الحوار الأسري مع الطفل ضرورة لحمايته
الدكتورة علياء إبراهيم مستشارة تربوية قالت إن ظاهرة التحرش بالأطفال ليست ظاهرة وليدة العصر وإنما شهدتها المجتمعات منذ القدم ولكن هناك عوامل ساهمت في اتساع رقعتها وأهمها الأسرة على اعتبارها الحاضن الأول للطفل ونجد أن ثقافة الاعتماد الكامل على الخادمة في تربية الطفل لها دور كبير، فتركه معها أثناء استحمامه أو تغيير ملابسه تجعل الطفل ليس لديه قيمة لخصوصية جسده.
وهذه الخصوصية هي إحدى القيم التي يجب بثها ويقع ترسيخها لدى الطفل على الأم والأب، مضيفة إليهم فئة السائقين والمسؤولين عن اصطحاب الأبناء من والى المدرسة أو النادي ويكون التحرش بالطفل هنا أمرا أكثر يسرا خاصة وأن هذه العمالة تعاني في الغالب من الحرمان والجفاف العاطفي نتيجة الاغتراب لسنوات بعيدا عن الأسرة وفي ظل تراجع القيم والأخلاق وتزعزع الأساس الديني تصبح الأرض خصبة للتحرش بالأطفال.
وتسلط المستشارة التربوية الضوء على التحرش من ناحية ذوي القربى الذين يدخلون البيوت ويمثلون حضنا آمناً للأبناء والذين تثق فيهم الأسرة فيترك معهم الطفل منفردا بالإضافة إلى تسجيل عدد من الحالات التي يتم فيها التحرش بالأطفال واغتصابهم من قبل شخصيات وفئات عمرية تتمتع بأعلى نسبة ثقة من الأسرة مثل الجد الذي قد يكون مصابا بعدم ادارك كامل لتصرفاته نتيجة مرض الخرف أو تحرش عبر المدرس الخصوصي الذي يترك مع الطالب في حجرة لوحدهما.
وهنا تبرز خطورة ترك الطفل في المدرسة عقب انتهاء الدوام أو في المسجد أو عند احد الجيران. مشيرة إلى أن العبء يقع في مثل هذه الحالة على الأسرة التي لم تتدرج في توعية الطفل وإعطائه معلومات عن إمكانية حدوث مثل هذه الأمور وكيفية مواجهتها، لافتة إلى انعدام الحوار بين الطفل وذويه وبالتالي لم تعد الأم مصدر التثقيف الأول للطفل والملاذ الآمن.
ضوابط وإجراءات
وتحدثت عن دور انتشار تعاطي المخدرات ومشاهدة الأفلام الإباحية ومخاطبتها للغرائز مما اظهر حاجة ملحة لوجود ضوابط وإجراءات وقائية وحدود بين بعض الفئات التي تتعامل مع الأطفال مثل زوج الأم والأبناء وبنات الزوجة، لافتة إلى إن غالبية الآسر العربية تحيط الفتاة بسياج من الحماية أكثر من الذكر مما ينتج عنه ظاهرة التحرش واغتصاب الذكور.
والذين كثيرا ما تترك لهم حرية التواجد خارج المنزل فيصبحون عرضة لأنواع كثيرة من التحرش، معربة عن أسفها لترك بعض الأسر لتعاليم الدين الإسلامي باعتبارها بمثابة إجراءات وقائية كالتفرقة بين الأبناء في المضاجع وتعليم الأطفال آداب الاستئذان حتى لا تقع أعينهم على اشياء تثير الغرائز مبكرا ومنع الفتيات الصغيرات من ارتداء ملابس كاشفة لمعظم أجزاء الجسم بحجة صغرها.
ظاهرة البويات
وإذا انتقلنا إلى المدرسة نجد ظاهرة البويات المنتشرة بين البنات في المدارس والتي أدت إلى وجود نوعية من المراهقات تتحرش بزميلاتها أو بمن هن أصغر منها وهذا التحرش قد يكون لفظيا أو جسديا ويمتد في بعض الأحيان إلى علاقة جنسية داخل المدرسة وفي ظل وجود فئة البويات قد تغفل الأسرة عنه نتيجة اطمئنانها إلى أن الابنة داخل مجتمع فتيات، ولكن تثقيف الفتاة بوجود هذه الظاهرة وأبعادها الخطيرة يمنع حدوث غسيل المخ من قِبل البوية ذلك الغسيل الذي يؤدي إلى اقتناع الطرف الآخر بهذا التحرش، وينطبق هذا المثل تماماً على مدارس البنين في ظل تحرش المراهقين بالأطفال الصغار.
توعية أولياء الأمور حصن للأبناء
دعت المستشارة التربوية الدكتورة علياء إبراهيم أولياء الأمور إلى أن يكونوا أكثر وعياً بالمتغيرات المحيطة بالمجتمع ونقلها بأسلوب يتناسب مع المرحلة العمرية للطفل وتدريبهم على مقاومة الإغراءات التي تصدر من المتحرش، لأن ليس كل تحرش يحدث بالتهديد.
ومد جسور الثقة بينهم وبين أبنائهم ووجود تواصل وحوار دائم بين أفراد الأسرة تفاديا لحالات التحرش التي تتم تحت التهديد ويكتمها الطفل خوفا من الأسرة أو من تهديد المتحرش، مشددة على أن توعية الطفل مسؤولية مشتركة بين كافة المؤسسات التربوية من أسرة ومدرسة ووسائل إعلام ومؤسسات دينية دون تهوين أو تهويل.
وقالت: أدى التقدم في وسائل الاتصال إلى جعل الأبناء فريسة سهلة لشاشات التليفزيون والكمبيوتر والهواتف الحديثة التي أصبحت بدورها مصدرا لمواد تثير الغرائز، فأصبح التحرش ضيفاً في مجتمع الأطفال، فهناك بعض الأطفال الذين يتحرشون ببعضهم.
ومن المعروف أن الطفل سريع التقليد خاصة وأن هناك بعض الأفلام الكرتونية أصبحت تتناول بعض أشكال التحرش من خلال صورة مرئية جذابة للطفل، بل ومما يثير العجب ظاهرة استخدام الأطفال في مشاهد مثيرة في الأغاني والأفلام فأين هي وثيقة حقوق الطفل؟
ونوهت إلى تحرش يقع على فئة ذوي الاحتياجات الخاصة وعلى الأخص المعاقين ذهنيا على اعتبار أنهم اقل إدراكا من الأطفال الأسوياء ولا يقدرون على البوح بما حدث لهم من تحرش أو اغتصاب وهو أمر يجب إن يتنبه له الوالدان.
نورا الأمير


