يكاد اختيار التخصصات يكون من أبرز المشكلات التي تواجه الطلبة بعد إنهاء الثانوية، إذ تتعدد أمامه مجالات الدراسة المتاحة والتي تؤهلهم إلى الوظيفة المستقبلية، ولذلك نجد أن البعض يعيش أياما قلقة حائرا فيها بين التخصصات المختلفة التي تقدمها الجامعات، وهو ما يوقعه في مشكلة أو «ورطة» إن صح التعبير، والسبب الرئيسي لذلك هو عدم إدراك الطالب لمواضع قوته وعدم اهتمامه بمواهبه.

وللتعرف على أسباب هذه المشكلة حاولنا مناقشتها مع عدد من طلبة كلية دبي للطلاب التابعة لكليات التقنية العليا، حيث قال الطالب محمد حسين: «عندما كنت في الثانوية كان طموحي دراسة تخصص الطيران ولعدة أسباب لم أتمكن من دخوله، ولكن فضلت دخول تخصص الهندسة لأنها تعتبر الأقرب إلى الطيران، واختياري لها مبني على حبي أو تفضيلي للدراسة العملية على النظرية، وهذا ما يركزون عليه في الكلية». وأضاف محمد: «لم يتدخل أهلي في عملية اختيار التخصص وتركوا لي فرصة الاختيار لأن ذلك هو مستقبلي، ولكن اعتقد انه من المفروض أن تقوم المدارس بتوجيه الطلاب نحو التخصصات التي تتوافق مع قدراتهم ومواهبهم، حتى لا يقعون في حيرة عند دخولهم للجامعة».

أما الطالب سعيد دلوج والذي يدرس الهندسة فقال: «بلا شك ان المدارس تلعب دورا مهما في اختيار الطالب للتخصص الصحيح، ولكن ما يحدث في مدارسنا انها تركز كثيرا على الجانب النظري على حساب الدراسة العملية وبتقديري أن هذا خطأ لأنه يفقد الطالب فرصة التعلم المهني الذي يعتبر أساسا لدراسة الهندسة مثلا». وأضاف: لا يمكن أن ننكر أن مدارسنا قامت بعقد لقاءات بين الطلبة والجامعات ولكنها لم توضح للطلبة ماهية التخصصات وطبيعة موادها، وبالنسبة لي فقد تعرفت على تخصصي بعد وصولي إلى الكلية، حيث حاولت أن أستفسر عنه من المشرف الأكاديمي، ولا أنكر أن إجاباته قد فتحت أمامي الطريق وجعلتني اقترب جدا من التخصص الذي أريده».

الإرشاد ضرورة ملحة الطالب صالح إبراهيم قال: بالتأكيد إن اختيار التخصص قد يكون عملية صعبة بالنسبة للطالب، ولكنها ستكون أسهل عندما يجد المساعدة ليس من مدرسته فقط أو من الجامعة وإنما من الأهل أيضا فهم الذين يعرفون نقاط القوة التي يتمتع بها ابنهم وبالتالي يمكنهم توجيهه نحو الطريق الصحيح، وقد يجد الطالب في بداية دراسته في الكلية أو الجامعة صعوبة التأقلم مع الأجواء الجديدة التي تفرضها الكلية من ناحية الدراسة وخلافه. ولكنه سرعان ما سيتعود على ذلك خاصة وان أسلوب التدريس مختلف تماما عن المدارس». أما الطالب محمد فيصل فقال: «بلا شك إن عملية اختيار التخصص صعبة.

ولكن بالنسبة لنا فقد وجدنا بعض الإرشاد في بداية دخولنا إلى الكلية، حيث حاول المشرفين شرح التخصصات الموجودة وإمكانيات العمل فيها مستقبلا سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، وبالنسبة لي فضلت اختيار تخصص الهندسة الكهربائية لأنها تعتمد على الدراسة العملية أكثر من النظرية وهو ما كنت اطمح إليه، ولا اذكر إنني واجهت صعوبات في دخول التخصص».

ومن جهته قال الطالب معاذ بن حافظ: «لم أواجه مشكلة في اختيار تخصص الإعلام، فقبل نهاية دراستي الثانوية واجهت عدداً من الاختيارات وكان من بينها التصوير الفوتوغرافي والتصميم الغرافيكي، وكانت هذه عبارة عن «كورسات» أو مواد دراسية.

وشعرت من خلال اطلاعي عليها انه يمكن للإنسان أن يبدع كثيرا إذا خاض التخصص الذي يحبه أو على الأقل الأقرب إليه، لان فيه سمات تغطي شخصيته وطموحاته، وهذا ما دعاني إلى المواصلة فيه»، وأضاف: «رغم إن أهلي لم يحاولوا فرض تخصص بعينه علي إلا أنهم وقفوا إلى جانبي وشجعوني على خوض غمار التجربة، خاصة وإنني أفضل العمل اليدوي أكثر من النظري، وقد وجدت في تخصصي ما أطمح إليه».

التوفل والسيبا عوائق

تعتبر امتحانات التوفل والسيبا والايلس من أبرز المعوقات التي تقف في وجه الطالب لدخوله التخصص الذي يطمح إليه، فبعض الطلبة لا يتمكنون من اجتياز هذا الامتحان والذي يعتبر احد الشروط الأساسية لدخول الجامعات داخل الدولة، وهو ما يجبره على التحول إلى تخصص آخر لا يشترط الحصول على التوفل أو غيره، بينما هناك من يحاول لمرات عديدة حتى يحصل عليه وبالتالي يتمكن من دخول التخصص الذي يريده ولكن في هذه الحالة يكون قد خسر الكثير من وقته.

وحول هذه الامتحانات قال الطالب محسن العوضي: «يوجد الكثير من الطلبة الذين لم يتمكنوا من دخول الجامعات نتيجة لعدم حصولهم على النقاط التي تؤهلهم لدخول الجامعات، ومن خلال تجربتي وجدت أن اجتياز امتحان السيبا والتحدي سيوفر على الطالب سنة تأسيسية كاملة.

وأشعر بأن وجود مثل هذه الامتحان أمر ضروري ومفيد للطالب لأن لغة التدريس في الكلية بالانجليزية بينما المناهج المدرسية باللغة العربية وبالتالي فهو تمهيد للطالب وعملية تدريب كاملة تمكنه من مجاراة الدراسة في الكلية».

أما الطالب محمد العوضي، فقال: تلعب امتحانات قياس اللغة الانجليزية مثل التوفل والسيبا والايلس دورا مهما في حياة الطالب، ففي كثير من الأحيان هي التي تحدد طريق الطالب إما نحو التخصص الذي يريده أو اختيار تخصص آخر لا يشترط وجود التوفل والسيبا.

ورغم أن المدرسة تتحمل جزءا كبيرا في هذا الجانب إلا أن الطالب أيضا يتحمل جزء كبير من هذه المسؤولية فهناك من لا يبذلون جهدا في اجتياز هذا الامتحان، وأعتقد أن هذا خطأ لأن الانجليزية أصبحت مهمة ليس في الدراسة فقط وإنما في الحياة العملية أيضا، ولذلك اعتقد أن المدارس يجب أن تبدأ بإعداد الطالب إلى هذه اللحظة منذ دخوله إلى الصف الأول، لأن ذلك سيوفر عليه وقتا كبيرا في المستقبل، وسيجعله واثقا من نفسه».

عبد الله الحسام: قناعة الطالب بالتخصص هي الاساس

هناك أسباب عديدة تجبر الطالب على تغيير تخصصه بعد السنة الأولى، منها صعوبة مواد التخصص، وهو ما يجبر الطالب على البحث عن مواد تكون أسهل وتمكنه من الحصول على درجات عالية، أما السبب الثاني فهو تأثير الأصدقاء، حيث يتخذ قراره من خلال عقد مقارنات مختلفة بين تخصصه وتخصص أصدقائه، وبمجرد أن يجده أسهل يبدأ بإجراءات التحويل إليه، أما السبب الثالث فيكمن في انه دخل التخصص بناء على رغبة أهله أو أصدقائه، لا قناعته.

عبيد ماجد: ليست مشكلة كبيرة

هناك من يختار التخصص للبقاء مع صديقه ليجد نفسه بعد فترة يعاني من هذا الاختيار لعدم قدرته على المواصلة فيه، وهناك من يجبر على دخول تخصص معين لعدم وجود شاغر في التخصص الذي يريده، وفي حالة سنحت الفرصة للطالب سيتركه لصالح تخصص أخر.

ورغم وجود هذه الظاهرة بين طلبة الجامعات والكليات إلا انه لا يمكننا اعتبارها مشكلة كبيرة، وهنا يأتي دور المدارس والجامعات في توضيح طبيعة التخصصات المتوفرة قبل دخول الطالب إلى الجامعة.

محمد خالد: الأهل يتحملون جزءاً من المسؤولية

للأهل تأثير كبير في عملية اختيار التخصص، لأن الطالب يحتاج إلى من يوجهه نحو التخصص الصحيح، وبتقديري إن هذه العملية تحتاج إلى تمهيد وإعداد للطلبة قبل وصولهم إلى الجامعة، بحيث يتم البدء بمراقبة درجات الطالب في المواد العلمية والأدبية منذ الصف العاشر.

وذلك لمعرفة نقاط إبداعه وقوته، وبناء عليها يتم توجيهه، ولكن ذلك لا يعفينا من مراعاة متطلبات الطالب، ومناسبة التخصص لقدراته وعلاماته، حتى لا يشعر الطالب فيما بعد انه مظلوم أو انه أخطأ اختيار التخصص.

محمد الموعد: التضخم بالتخصصات غير مقبول و«التوفل» ليس وحشاً

يقول محمد الموعد، الخبير في شؤون التعليم ومدير معهد بوليغلوت للغات، الذي يعتبر أقدم معهد في الدولة: «بناء على خبرتي وما نتلقاه في المعهد من طلبة أنصح بأن يتم اعتماد استبيان يوضح في نهايته المجالات أو التخصصات التي يرغب الطالب بدراستها بعد الثانوية، لأن ذلك سيسهل على جميع الأطراف عملية الاختيار والتصنيف وهذا سيساهم في جعل مخرجات التعليم متوافقة مع متطلبات سوق العمل».

وأضاف: «يجب أن يكون هناك خبراء في كافة الجامعات يعملون على تحديد المكان المناسب الذي يمكن أن يفيد فيه الطالب، وأن يقوموا بإجراء دراسات وأبحاث تبين احتياجات سوق العمل في الدولة، حتى لا يكون لدينا خريجون بلا عمل بعد الدراسة الجامعية.

ودعا الموعد إلى ضرورة إعطاء الطلبة «العباقرة» ممن حصلوا على معدلات عالية في امتحان الثانوية الأولوية لدخول التخصص الذي يرغبون بدراسته، وأن يكون لهم لجان خاصة لمقابلتهم، وتحديد قدراتهم، بالإضافة إلى تسليط الضوء على هذه المجموعة من الطلبة للاستفادة من قدراتها وتفوقها.

كما دعا الطلبة للاستفادة من معارض التعليم التي تعقد في داخل الدولة، ومن اللقاءات التي تعقدها مدارسهم بالتعاون مع الجامعات، حيث يمكن لهم التعرف من خلالها على طبيعة التخصصات التي تقدمها الجامعات، وستعمل على توسيع إدراكهم.

ومن جهة أخرى، فضل الموعد أن يبدأ الطالب دراسته الجامعية داخل الدولة، معتمدا في ذلك على ارتفاع مستوى التعليم العالي في الدولة والتي سعت إلى توفير كافة التخصصات في الجامعات المحلية، مبررا ذلك بأن بقاء الطالب بعد الانتهاء من الثانوية بين أهله وأصدقائه سيكون أفضل من تغريبه وهو بسن صغيرة، لأنه سيجد صعوبة في التأقلم مع الخارج.

ولكن يجب إتاحة الفرصة أمام الطالب لزيارة دول العالم لتوسيع مداركه ولاكتساب لغات وثقافات مختلفة، في المقابل أشجع دراسة الماجستير في الخارج لان الطالب يكون بعد تخرجه من الجامعة أكثر وعيا وثقافة.

وبسؤاله عن امتحانات التوفل والسيبا والايلس قال الموعد: «أنا شخصيا لا اعتبرها عائقاً لأن المشكلة لا تكمن في هذه الامتحانات، إنما تكمن فينا نحن وفي طريقة تدريسنا للغة الانجليزية التي أصبحت اليوم لغة العلم، فهناك الكثير من مدرسي اللغة الانجليزية لا يعرفون الفرق بين كلمة «توفل» و«تفل».

وبالتالي فالتوفل ليس وحشا كما نظن، ويمكننا التغلب بإعداد الطالب منذ دخوله للصف العاشر، بأن يتم إخضاعه للامتحان ولو كان لأكثر من مرة، لأن ذلك سيزيد من ثقته بنفسه وسيجعله قادرا على اجتيازه».

غسان خروب