يُطل الشتاء بجماله في أدق تفاصيل الحياة اليومية، مصطحباً معه مذاقات خاصة، ونكهات لا تزال تحمل صورته فرحاً وبهجة بمشهد شتائي برائحة الجمر المحترق وطعم البثيث ولون السحب الداكنة، ولفصل الشتاء في الثقافة المحلية طقوس وعادات مميزة، ترخي بظلالها على تفاصيل الحياة اليومية.. تمدد ساعات ..
وتقلّص أخرى، تتجلى بوضوح في المسكن .. والمأكل والملبس، ومنذ الأزل .. دأب الإماراتي على التكيف مع تلك الطقوس بما تجود به البيئة من خيرات بسيطة، كانت النخلة عمادها ومصدرها. أطباق الشتاء ووجباته أحد علامات دخول الفصل، وهي استجابة الأهالي لانخفاض درجات الحرارة بأطعمة تمد الجسم بالطاقة ومشروبات للوقاية من البرد، ومع هبوب أولى موجات البرد يستحضر الأهالي الوجبات الخاصة بالشتاء، والتي لا يمكن تناولها باقي أيام السنة، وكعادتهم بسطاء ... يستلهمون حياتهم بكافة تفاصيلها مما تجود به الأرض.. ، وفي البادية أو عند سكان السواحل اعتادت الجدات والأمهات قديماً على تحضير مجموعة متنوعة من أطباق خلال فصل الشتاء لعل أشهرها القرص المدقوق أو قرص «اليمر» أي الجمر والبثيثة والخمير والعصيدة، وجميعها يُضاف إليها السمن المحضر بيتياً بهدف إمداد الجسم بالطاقة.
وبالرغم من احتوائها على سعرات حرارية عالية إلا أن الحياة قديماً اتسمت بالمشقة والتعب، حيث كان الأهالي كثيرو الحركة والمشي لمسافات بعيدة، ولم يتمكنوا من الاستعانة بوسائل النقل، فكانت تلك الأطباق خير معين على الحركة والنشاط.
يرتبط القرص المدقوق كثيراً بسكان البادية والصحراء، باعتباره يُحضّر على الجمر ويُضاف إليه السمن المتواجد لديهم بصورة دائمة بسبب تربيتهم للأبقار والماشية، ويُعجن القرص بمواد أولية هي الدقيق والماء وقليل من الملح، ويُشكل على هيئة أقراص دائرية، تُوضح بشكل مباشر على الجمر، ويتم تقليبها حتى تنضج، ثُم تقطع وتوضع في «المنحاز».
وهو الهاون، ويتم تفتيتها ويُضاف إليها السمن والمنكهات الأخرى، مثل الكمون وغيره، ويؤكل القرص المدقوق بإضافة السكر أو اللبن أو الحليب حسب الرغبة، ويُعتبر وجبة دسمة تزود الجسم بالطاقة والحرارة، ويُحفظ قرص اليمر لفترات دون أن يتلف لأيام ويمكن تناوله على وجبة الإفطار أو خلال الضيافة «الفوالة» .
وتُعتبر البثيثة أحد أهم الأطباق الشتائية، وزاد المسافرون والبحارة خلال رحلاتهم الطويلة لما تحتويه من عناصر غذائية وسكريات، والبثيثة طبق شهير في مختلف مناطق الدولة ودول الخليج العربي، وهي تُصنع من الطحين والتمر والسمن، بحيث يتم وضع الطحين على النار وتحريكه حتى يأخذ لوناً بنياً فاتحاً، يتم بعدها إضافة التمر بعد إزالة النوى وثم السمن، وتُخلط المكونات حتى تتجانس.
ويُضاف إليها بعض النكهات مثل الكمون «السنوت» ومسحوق الهال والسمسم. ودأب الأهالي قديماً على حفظها في أوان معدنية بالقرب من النار أو على الجمر، حتى تسخن ويذوب السمن الذي تجمد بفعل برودة الجو.
أما رائحة الخمير التي تتسلل عبر الأزقة بعد صلاة الفجر فهي أكثر ما يتذكره الأهالي من فصل الشتاء قديماً، حيث عمدت النسوة قديماً إلى تزويد الوجبة الشتائية بنسب عالية من موارد الطاقة والسكريات، فالخمير خبز يحضّر من التمر الذي يعد مكوناً رئيسياً في معظم وجبات المطبخ الإماراتي، وتدخل في تحضيره مواد أساسية أخرى كالدقيق، والسكر والبيض إلى جانب منكهات أخرى، ويتم تناوله مع الدبس أو السكر أو الجبن.
توفر كمية السعرات الحرارية في «الخمير» قدراً من الطاقة يكفي لاستقبال يوم شتائي بارد، ولعل أفضل «الخمير» ذاك المحضّر على الحطب، والذي يمر بمراحل عدة، ويمضي وقتاً حتى يختمر، ثم يحضر على شكل قروص من العجين، ويوضع على المخبز الحديدي حتى ينضج.
أضافت الحياة المدنية تغييرات عدة على الخمير، فأصبحت هناك المخابز الكهربائية، ودخلت منكهات لم تتوافر قديماً، وأصبح متداولاً في المطاعم الشعبية، حيث لا يزال الخمير الوجبة المفضلة في فصل الشتاء.
وطرأت تغييرات عدة على محتوى عجينة الخمير، وهي في الغالب تحتوي على كمية من الدقيق الأبيض والتمر منزوع النوى والمذاب في ماء دافئ والمسمى «مريس»، والزيت والسكر، ومقدار من «المخمّر»، والملح والزعفران وبذور البابونج «المثيبة» وماء دافئ للعجن، إلى جانب البيض والسمسم والزعتر والحبة السوداء للزينة، ويتم عجن المقادير للحصول على عجينة تمتاز بالطراوة، وكلما زادت مدة العجن كلمات زادت طراوة العجينة، يعقب ذلك تغطية العجينة في مكان دافئ.
ولا تكتمل مائدة الأطباق الشتائية الإماراتية دون حليب مُضاف إليه الزنجبيل، أو مشروب «الزعتر» المُحضر في «الغوري» وهو الابريق المعدني القابع على جمر «الكوار» للوقاية من نزلات البرد وأعراض الزكام ؟
إناء معدني مستطيل الشكل توقد فيه النار لتحضير القهوة والشاي وأغراض التدفئة - داخل خيمة تقاوم برد الشتاء، فتلك صورة يستحضرها الأهالي على الدوام في رحلاتهم إلى البر أو جلسات منزلية شتائية.
أمل الفلاسي

