يجمع كتاب السينما ونقادها على أن فيلم «أفاتار ـ Avatar» لعبقري هوليوود المخرج الأميركي جيمس كاميرون، الذي صممه بتقنية ثلاثية الأبعاد، والذي تشاهده الإمارات ابتداء من مساء الأربعاء الماضي، قد يغير وجه السينما إلى الأبد، حيث تم عرضة في ختام مهرجان دبي السينمائي الدولي، وفي اليوم نفسه قامت شركة إمبير الموزعة لهذا الفيلم في الشرق الأوسط بعمل عرض افتتاحي له حضره الكثير من النقاد والصحافيين والجمهور الذي ينتظره بعد الضجة التي صاحبت نزوله إلى صالات السينما في جميع أنحاء العالم.

ويعد فيلم «أفاتار» من أعمال الخيال العلمي الملحمي ثلاثي الأبعاد وهو منتظر من قبل عشاق السينما لأسباب عدة أهمها: انه من إخراج وإنتاج وقصة جيمس كاميرون، مخرج فيلم تايتانيك عام 1997 الحاصل على إحدى عشرة جائزة أوسكار، كذلك هو العمل الأكثر تكلفة في تاريخ السينما في العالم حتى الآن فقد وصلت ميزانيته إلى 500 مليون دولار.

وهو من إنتاج (لايتستورم إنترتينمنت) وتوزيع (شركة فوكس القرن العشرين) وقد اعتبر حتى قبل عرضه فتحا جديدا في صناعة الأفلام من حيث التقنيات الحديثة التي صممت للمرة الأولى من اجله، كالكاميرات الخاصة، وقد نال الفيلم قبل العرض العالمي ثلاث جوائز، إحداهما من مهرجان سانتا بربارة العالمي للأفلام، والأخرى من جمعية المؤثرات البصرية الأميركية، أما الثالثة من مؤسسة نقاد نيويورك باعتباره أفضل فيلم في عام 2009.

وتدور أحداث الفيلم الأشبه بالحلم الغريب الذي تراه وأنت بكامل استيقاظك، حول «جاك سولي» الذي يلعب دوره الممثل الأسترالي «جاك ورثنجتون» وهو جندي مارينز أصيب بإعاقة أثناء احدى المعارك ولكنه في الوقت نفسه يمتلك روح المقاتل ما يؤهله أن يقوم برحلة لقمر «بانادورا»، وللتغلب على إعاقته انضم لبرنامج «أفاتار» وهي كلمة تعني بالهندية التجسد، حيث يتم منح الشخص الفرصة في أن يتجسد في جسد آخر.

وذلك لأن التعايش على بانادورا يتطلب جسداً من نوع خاص وليس جسد إنسان، وسبب الرحلة هو أن يقوم جاك باستخراج معدن من ذلك القمر كفيل بحل كل مشاكل الأرض التي تتعلق بالطاقة، وسرعان ما يصل جاك إلى تلك المنطقة التي تتميز بجوها الاستوائي ذو النباتات الكثيفة والأشجار المتعددة الأشكال والأنواع، والزهور التي تتميز بألوانها البديعة ومظهرها الذي يضفي على قمر بانادورا روعة.

بخلاف حيوانات الغابات التي أطلق المخرج جيمس كاميرون خياله ليبتكر من تراث تاريخ الحضارات السابقة وجيولوجيا تطور الأرض أشكالا وأنواعا منها تبهر وتثير العقل، هذا بالإضافة إلي سكانها «شعب النافيز» الذين يتميزون بطول القامة ولون بشرة أزرق، ورغم شكلهم الذي يبدو مرعباً إلا أنهم يتسمون بطيبة القلب، وسرعان ما يقع البطل في حب البطلة «نيتيري» التي تلعب دورها الممثلة «زوي سالدانا» ـ وهي ممثلة صاعدة تركت أثرها على الجمهور في شخصية دورا في فيلم «قراصنة الكاريبي» ـ ويقرر البقاء معها للأبد وينضم إلى عالم بانادورا.

مما لاشك فيه أن الفيلم جدير بالمشاهدة، قد يلاقي ملاحظات كثيرة من قبل بعض النقاد عن كونه مجرد فيلم انيميشن مبهر أو حول مشاهد كثيرة يمكن التوقف عندها مثل عدم التركيز على علاقة الواقع بلا واقع أو الحقيقي بالمتخيل، وإهدار الوقت بالدمار دون إفساح المجال لمعرفة ما أحدثه من تخريب وكوارث.

وإبراز عناصر في قمر بانادورا كخلفية جمالية دون استغلالها في دراما العمل مثل الزهور الناعمة التي تطير وكأنها أرواح هائمة تحدث أنوارها هاله من الضوء المريح فقط، أشياء عديدة في بناء الفيلم ونسيجه يمكن التوقف والاختلاف معها أو ضدها، لكن ملخص القول أن هذا العمل يخاطب أجيالا جديدة أصبح الكمبيوتر والجرافيك بالنسبة لها لغة تحدث وتواصل، وأن تقنية الفيلم ستكون مذهلة وصادمة له.

فقد تم تحقيق هذا الفيلم بتكنولوجيا متطورة استخدمت فيها كاميرات عالية الوضوح والجودة لها القدرة على التقاط تفاصيل لم تكن متاحة من قبل، واستعمل فيها احدث التقنيات العالمية في التصوير ومن ضمنها نظام كاميرا الواقع ثلاثية الأبعاد الخاصة به وهو عبارة عن كاميرتين عاليتي النقاوة في غلاف واحد لخلق إحساس بالعمق لدى المشاهد.

كما تم تصميم شخصيات الفيلم من شعب النافيز الأزرق بتقنية «نسخ الحرك»، أي يتم صنعها في الكومبيوتر بشكل واقعي فوتوغرافي وبطريقة تختلف عن الأفلام الأخرى التي استعملت فيها هذه التقنية حيث كانت الخلفيات والمؤثرات المنفذة رقميا تصمم في السابق بعد تنفيذ مشاهد الممثلين، وفي هذا العمل استعملت أثناء التصوير «كاميرا افتراضية» تمكن المخرج من أن يرى أين يتحرك الممثلون داخل خلفيات المشاهد المنفذة قبلا، وهذا سهل عليه إجراء التعديلات وممارسة الإخراج وكأنه يصور فيلما عاديا، أو كأنه يلعب لعبة كومبيوتر على مستوى أوسع.

ومن التقنيات الحديثة الأخرى التي استعملت لأول مرة في هذا الفيلم، جهاز جديد لنسخ تعابير وجوه الممثلين اسمه «المجسم» وهو اكبر ست مرات من أي جهاز استعمل سابقا في فيلم لنسخ تعابير وجوه الممثلين، بشكل غطاء للرأس يصنع ليناسب رأس كل ممثل وفيه كاميرا صغيرة مثبتة أمام الوجه لتجمع المعلومات عن تعابير الوجه والعينين، تنقل فيما بعد إلى الكومبيوتر.

وبهذه الطريقة استطاع جيمس كاميرون نقل حوالي 95% من تعابير وجوه الممثلين إلى الشخصيات المناظرة لها في الفيلم، إضافة إلى أن التمثيل كان أكثر انسجاما مع وجود جميع الممثلين الذين يؤدون المشهد الواحد سواء كانوا سيظهرون بأجسامهم أم بشخصيات منفذة في الكومبيوتر.

قام بوضع موسيقى الفيلم جيمس هورنر في ثالث تعاون بينه وبين كاميرون بعد فيلمي «الغريب» و «تايتانيك»، وقد تعاون المؤلف الموسيقي مع واندا برايانت وهي متخصصة في موسيقى الشعوب من اجل إعطاء المقاطع الموسيقية روحية الشعب الذي يتغناها «شعب النافيز»، أما أغنية الفيلم الأساسية فقد قامت بأدائها المغنية الانجليزية الصاعدة ليونا لويس وهي بعنوان «أنا أراك» وستظهر عالميا في فيديو كليب مناسب.

ولا يمكن تجاهل رسائل فيلم «أفاتار» التي أرساها للأجيال المقبلة، فقد كنا نسمع دائماً عن كائنات شريرة تغزو الأرض وتؤذي البشر ولكن في هذا الفيلم يحدث العكس تماماً، يتغير الإنسان لدرجة أنه هو من يعكر صفو الكائنات الفضائية وهذا كناية عن التوحش الذي وصل إليه الإنسان، كما أوضح في مضمونه أن الإنسان بحاجة إلى رؤية العالم بعيون شخص آخر.

ودعا إلى الانفتاح على الثقافات ووجهات النظر الأخرى، أما الهدف الرئيسي الذي أحدثه بالفعل هو توعية المجتمع لمخاطر تدمير الكوكب وضرورة إنقاذ الأرض قبل فوات الأوان، فليس لدينا سوى أرض واحدة وعلينا أن ندرك أن كوكبنا جنة، وأن الاستهلاك غير المسؤول لموارد الأرض سيؤدي إلى تدمير كل ما هو مهم، وأن مشكلتنا الرئيسية هي الطاقة فإذا لم نتمكن من السيطرة عليها، لن يكون هناك مستقبل.

أسامة عسل