نمر في حياتنا بمواقف كثيرة، معظمها يؤثر علينا وتغير من مجرى حياتنا وحتى المحيطين بنا، بعضنا يستوعبها بسرعة والبعض الآخر يبقى أسيراً بين جدرانها ليعزل نفسه عن الآخرين وكأن الحياة قد توقفت عند هذا الحد، ولكن الأمر يبدو مختلفاً تماماً مع آخرين يحاولون جاهدين ونجحوا في الخروج من جدران العزلة ليحققوا ذاتهم في ظل وضعهم الجديد، ومن هؤلاء كانت ثريا الزعابي التي انتقلت في لحظة من شريحة مجتمعية إلى شريحة أخرى لتعيش حياة مختلفة عن الأسوياء، وهو ما كان بمثابة الصدمة لها خاصة وأن حياتها كانت مليئة بحيوية المعارف والأصدقاء.

التغير المفاجئ في حياة ثريا كان نتيجة لإصابتها بجلطة دماغية أدت إلى حدوث نزيف داخلي في الدماغ، وهو ما أدى إلى شلل جزئي أصاب الجهة اليسرى من جسدها، حينها لم تكن ثريا تقوى على الوقوف ما جعل أهلها الذين استقبلوا هذا الخبر بحزن عميق يسعون إلى إعادة تأهيل البيت بحيث يتناسب مع وضع ثريا الجديد.

أصبحت ثريا حالياً بطلة رياضية يعرفها عدد هائل من متابعي رياضات رمي الرمح والجلة والقرص، بعد أن تمكنت من تحطيم أرقام قياسية، ولكن كيف كانت ثريا من قبل؟

سؤال يعيدنا الى الوراء كثيرا، لنفتش عن إجابته في ذاكرة ثريا التي تقول: «كانت طفولتي عادية مليئة بالنشاط والحيوية والحركة، وخلال مرحلة الدراسة التي أنهيتها في مدرستي سكينة بنت الحسين، وأم هانئ بدبي كنت شديدة الاهتمام برياضة الجري وكذلك بكرة السلة والطائرة وقد حصلت على جوائز عدة من وزارة التربية والتعليم».

عزلة الإصابة

لم تعد ثريا بعد إصابتها تتمتع بحس النشاط الذي اعتاده الجميع منها، فقد عزلتها الإصابة عن عيون الجميع، عامين تقريبا حاولت خلالهما التأقلم مع وضعها الجديد خاصة وأنها اعتادت منذ صغرها الاعتماد على نفسها في كل شيء، لتجد نفسها فجأة لم تعد تستطيع الحركة إلا بكرسي متحرك لا يشبه الذي تستخدمه حاليا، ولكنها لم تحتمل وضعها الجديد لمدة طويلة فقد قررت تحدي الإعاقة التي عزلتها، وبدأت بالعلاج الطبيعي الذي بدأ تأثيره يظهر تدريجيا على حالة ثريا، حتى جاء ذلك اليوم الذي أدخلت فيه السرور ليس على قلبها فقط وإنما على كل من يعرفها، حيث استطاعت أن تقهر كرسيها المتحرك بالوقوف على «العكازة»، وهو ما اعتبره أهلها عرسا.

الحنين إلى الرياضة

بدأ الحنين إلى الرياضة يدب في روح ثريا، الأم لأربعة أطفال، ولتحقيق حلم العودة لجأت إلى نادي دبي للرياضات الخاصة، وفيه تعرفت إلى عدد من الفتيات اللواتي استطعن إحراز الفوز رغم إعاقتهن، هذا الفوز أثار في ثريا أسئلة كثيرة زادت من حدة حقدها على الكرسي الذي جعلها حبيسة في عالم الجلوس، لم تجد إجابات على أسئلتها إلا عندما توجهت إلى المدربة لتسألها عن الرياضة التي يمكن أن تناسب إعاقتها وتجعلها متميزة في عالمها الجديد، لتجيبها رمي الرمح أو الجلة أو القرص.

كانت هذه الإجابة كفيلة برفع معنويات ثريا إلى السماء لتبدأ خطوتها الأولى نحو الفوز. طريق العودة إلى الرياضة كانت معبدة بخلاف الورد نظرا لوضعية ثريا، وهنا تتذكر: «في البداية لم أكن أفضل أن يراني احد عندما ارمي الرمح، حيث كان الخجل يقتلني في تلك اللحظات، وطالما سألت نفسي عن شكلي أثناء الرمي، ولكن سرعان ما بدأت اتعود على وضعي الجديد، وقد شجعني على ذلك صرخات الحضور الذين كانوا يهتفون باسمي، حيث أشعرتني بأنني أنجزت شيئا كبيرا، ومن ذلك الحين وأنا اعتبر لعبة رمي الرمح الأقرب إلى قلبي، لأنها تعني الانطلاقة والتلقائية في طيرانها والتي تعتمد بالدرجة الأولى على ذاتي».

وكما انطلاقة الرمح سريعة كانت انطلاقة ثريا نحو منصات التتويج، حيث كانت تنصب عيونها في كل مرة تدخل فيها الميدان، واستطاعت في فترة بسيطة أن تحتل هذه المنصات محليا، لتلمع الميداليات الذهبية على صدرها في العاب القرص والرمح والجلة لتصبح بذلك البطلة الإماراتية الوحيدة الحاصلة على الذهبيات في هذه الرياضات. لقد جاءت هذه الانتصارات سريعة وذلك حبا في الرياضة وتحديا للإعاقة كما تقول ثريا، والتي واصلت: «كنت اشعر بالفرح كلما وصل الرمح إلى نقطة أبعد من سابقتها، وفي كل مرة كانت صرخات الإعجاب تحفزني على الاستمرار».

علم يرفرف على المنصات

من حدود بلدها الإمارات خرجت ثريا لتنافس على بطولات الخليج في هذه الألعاب ولتعود منها بالذهب، وهذا التقدم كان كفيلا بلفت أنظار المدربين إليها، والذين اجتهدوا كثيرا في تحفيزها، وكان ذلك بإرسالها في بعثات تدريبية في تشيكوسلوفاكيا وأوروبا اللتين سرعان ما عادت منهما محملة بالذهب.

لم تثنِ الإعاقة الحركية ثريا من أن ترفرف كما العلم على منصات التتويج العالمية، ففي نهاية العام الماضي شاركت في اولمبياد بكين وكانت المؤهلة الإماراتية الوحيدة في رمي الرمح، وتمكنت أخيراً اثناء مشاركتها في هولندا من اسقاط البطلة النيوزلاندية في رمي الرمح وبذلك حصلت على الذهبية، وتتطلع حاليا الى اولمبياد بريطانيا، حيث تطمح إلى تحقيق أرقام جديدة.

في كل مرة كانت تخرج فيها ثريا من حدود بلدها للمشاركة في البطولات العالمية، كانت تهبط بالسلام على مضيفيها، حاملة في قلبها كل الحب لهم، وهو ما مكنها من كسب محبة الآخرين الذين دأبوا على مراسلتها والاتصال بها في كل المناسبات، لتحتفظ في بيتها برصيد كبير من البطاقات والهدايا المغلفة بالحب والسلام.

هذه هي ثريا التي استقت قوتها من نادي دبي للرياضات الخاصة، وتوجت الاستمرار في عالم الرياضة بتكريم الشيخ محمد بن صقر القاسمي رئيس مجلس إدارة نادي الثقة للمعاقين بالشارقة، في أول بطولة محلية لها في رياضة رمي الرمح التي حصلت فيها على الميدالية الذهبية. لم تنتهِ قصة ثريا بعد، فلا تزال فصولها مليئة بالتشويق والإثارة والحب، فما أن تلتقي بها حتى تشعر بأنك تعرفها منذ زمن طويل، حيث يلهج لسانها بأسماء السلام الجميلة، ولا يتوقف عن حمد الله على ما هي فيه.

إصرار

الحنين إلى الرياضة يعيد ثريا إلى النجاح

لم تستسلم ثريا الزعابي وهي الأم لأربعة أطفال لوضعها الجديد الذي حكمت به الأقدار عليها، ولكنها أخذت تطرق أبواب إثبات الذات وتبحث بدأب عن خيوط النجاح لتجد بغيتها في نادي دبي للرياضات الخاصة.

هناك تعرفت إلى عدد من الفتيات اللواتي استطعن إحراز الفوز رغم إعاقتهن، هذا الفوز أثار في ثريا أسئلة كثيرة زادت من حدة حقدها على الكرسي الذي جعلها حبيسة في عالم الجلوس، لم تجد إجابات على أسئلتها إلا عندما توجهت إلى المدربة لتسألها عن الرياضة التي يمكن أن تناسب إعاقتها وتجعلها متميزة في عالمها الجديد، لتجيبها رمي الرمح أو الجلة أو القرص.

كانت هذه الإجابة كفيلة برفع معنويات ثريا إلى السماء لتبدأ خطوتها الأولى نحو الفوز. وتذكر ثريا أنها استقت قوتها من نادي دبي للرياضات الخاصة، وتجرعت الاستمرار في عالم الرياضة بتكريم الشيخ محمد بن صقر القاسمي.

ومضات

كانت طفولتي عادية مليئة بالنشاط والحيوية والحركة، وخلال مرحلة الدراسة التي أنهيتها في مدرستي سكينة بنت الحسين، وأم هانئ بدبي كنت شديدة الاهتمام برياضة الجري وكذلك بكرة السلة والطائرة وقد حصلت على جوائز عدة من وزارة التربية والتعليم

بعد عامين من العزلة عن عيون الناس بدأت ثريا بالعلاج الطبيعي الذي بدأ تأثيره يظهر تدريجيا على حالتها، حتى جاء ذلك اليوم الذي أدخلت فيه السرور ليس على قلبها فقط وإنما على كل من يعرفها، حيث استطاعت ان تقهر كرسيها المتحرك بالوقوف على «العكازة»، وهو ما اعتبره أهلها عرسا.

في نادي دبي للرياضات الخاصة تعرفت ثريا إلى عدد من الفتيات اللواتي استطعن إحراز الفوز رغم إعاقتهن ما أثار عندها أسئلة كثيرة زادت من حدة حقدها على الكرسي الذي جعلها حبيسة في عالم الجلوس، ولم فتوجهت إلى المدربة لتسألها عن الرياضة التي يمكن أن تناسب إعاقتها وتجعلها متميزة في عالمها الجديد فأرشدتها إلى رمي الرمح أو الجلة أو القرص.

في البداية لم أكن أفضل أن يراني احد عندما ارمي الرمح، حيث كان الخجل يقتلني في تلك اللحظات، وطالما سألت نفسي عن شكلي أثناء الرمي، ولكن سرعان ما بدأت أتعود على وضعي الجديد، وقد شجعني على ذلك صرخات الحضور الذين كانوا يهتفون باسمي، حيث أشعرتني بأنني أنجزت شيئا كبيرا.

استطاعت خلال فترة بسيطة أن تحتل منصات التتويج محليا، لتلمع الميداليات الذهبية على صدرها في ألعاب القرص والرمح والجلة ولتصبح بذلك البطلة الإماراتية الوحيدة الحاصلة على الذهبيات في هذه الرياضات.

دخلت ثريا منصات التتويج العالمية، ففي نهاية العام الماضي شاركت في اولمبياد بكين وكانت المؤهلة الإماراتية الوحيدة اليها في رمي الرمح، وتمكنت مؤخرا أثناء مشاركتها في هولندا من إسقاط البطلة النيوزلاندية في رمي الرمح وحصلت على الذهبية، وتتطلع حاليا إلى اولمبياد بريطانيا.

غسان خروب