المتوكلون هم الذين يتوكلون على الله ويعتمدون عليه مع إظهار العجز ويفوضون جميع أمورهم إليه.. ويثقون بالله ويوقنون بأن قضاءه ماض، ويتبعون سنة نبيه صلى الله عليه وسلم فيما لا بد منه من الأسباب من مطعم ومشرب وتحرز من عدو وإعداد الأسلحة واستعمال ما تقضيه سنة الله تعالى المعتادة.. ولا يطمئنون إلى شيء من تلك الأسباب ولا يلتفتون إليها بالقلوب ولا يتعاطونها إلا بحكم الأمر فإنها لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضراً بل السبب والمسبب فعل الله تعالى والكل منه وبمشيئته.

قال الله تعالى: «إن الله يحب المتوكلين» والتوكل في اللغة هو إظهار العجز والاعتماد على الغير، يقال وكلت أمري إلى فلان أي ألجأته إليه واعتمدت فيه عليه ووكل فلان فلاناً استكفاه أمره ثقة بكفايته والمراد بالتوكل التوكل على الله عز وجل وهو عمل قلبي ليس بقول اللسان ولا عمل الجوارح، ولا هو من باب العلوم والإدراك ومن الناس من يفسره من يفسره بالاسترسال مع الله مع ما يريد ومنهم: من يفسره بالرضا بالمقدور.

وقال بعضهم: التوكل التعلق بالله في كل حال وقيل غير ذلك وحقيقة الأمر أن التوكل حال مركبة من مجموعة أمور معرفة بالرب وصفاته إثبات في الأسباب والمسببات رسوخ القلب في مقام توحيد التوكل فلا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده، اعتماد القلب على الله تعالى واستناده إليه وسكوته إليه حسن الظن بالله وجل، استسلام القلب له التفويض الرضا وهي ثمرة التوكل.

ومن فسر التوكل بها فإنما فسره بأجل ثمراته وأعظم فوائده. فإنه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله. وهناك إجماع على أن التوكل لا ينافي القيام بالأسباب فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد فقد كان التوكل حال النبي صلى الله عليه وسلم والكسب سنته. فمن طعن في الحركة فقد طعن في السنة ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان.

والتوكل هو منزل من منازل الدين ومقام من مقامات الموقنين بل هو من معالي درجات المقربين وأعظم بمقام موسوم بمحبة الله تعالى صاحبه ومضمون كفاية الله تعالى ملابسه فمن الله تعالى حسبه وكافيه ومحبه ومراعية: فقد فاز الفوز العظيم فإن المحبوب لا يعذب ولا يبعد ولا يحجب.

والمتوكل هو الذي ترك الاختيار والتدبير في رجاء زيادة أو خوف نقصان أو طلب صحة أو فرار من سقم وعلم أن الله على كل شيء قدير وأنه المنفرد بالاختيار والتدبير وأن تدبيره لعبده خير من تدبير العبد لنفسه وأنه أعلم بمصلحته من العبد وأقدر على جلبها وتحصيلها منه.

والله سبحانه قد أمر العبد بأمر وضمن له ضماناً فإن قام بأمره بالنصح والصدق والإخلاص والاجتهاد قام الله سبحانه له بما ضمنه له من الرزق والكفاية والنصر وقضاء الحوائج، فإنه سبحانه ضمن الرزق لمن عبده والنصر لمن توكل عليه واستنصر به والكفاية لمن كان هو همه ومراده والمغفرة لمن استغفره.

رجاء علي