قال الشيخ: في آيات كريمات من القرآن الكريم أسرار وحكم كثيرة للابتلاء لابد من الوقوف عندها؛ ففيها بلسم لكل جرح ودواء لكل داء، و هذه الآيات نزلت بعد أن ظهر أمر الكفار على المسلمين يوم أحد، ذلك الظهور الذي ان اغتر به كفار قريش وكان فيه خير كبير للصحابة الكرام ثم من جاء بعدهم من المسلمين الذين فقهوا من هذه الهزيمة ما نفعهم في طول التاريخ الإسلامي وعرضه، وهانحن نستقرئ هذه الآيات لنغرف من معانيها ومن أسرارها ما يفيد في فهم حكم الابتلاء حتى على مستوى الفرد الواحد.

يقول الحق سبحانه وتعالى: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ان كنتم مؤمنين، ان يمسسكم قرح فقد مسَ القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين).

نزلت هذه الآيات وما من بيت في المدينة الا وفيه شهيد، وقد أُوذي الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم بعد أن تكاثر عليه فرسان قريش فحمته عصمة الله سبحانه وتعالى وثلة من الصحابة ألقوا بأنفسهم عليه يتلقون النبال بأجسادهم عنه، في هذه الأجواء يقول الحق سبحانه وتعالى: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)والمخبر هنا هو الحق سبحانه وتعالى الذي لاريب في حكمته ولا في وعده، أنتم الأعلون ان كنتم مؤمنين...والإيمان يزيد وينقص، يزيد باليقين والطاعة والاستقامة والعبادة، فيا أيها المبتلى كن مؤمنا «حقا» وأنت الأعلى، ولاتهن ولا تحزن لموقف أو أزمة أو بلاء لأنك بإيمانك ستدفع عنك الضر.

(ان يمسسكم قرح فقد مسَ القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس)الناس كلهم مبتلون مؤمنهم وكافرهم، تقَيهم وفاسقهم، فلا تنظر إلى بلائك وحدك وتظن أنك الوحيد الذي تعيش ألما أو غما أوهما، وبلاؤك ان حل بك اليوم فان من حولك قد مروا أو سيمرون ببلاءات ومنها ما قد يكون أشد وأنكى، ان المصاب عادة لا يشعر إلا بمصابه ويظن أنه الوحيد المبتلى في كل الأرض، ولو وقف عند المصائب الظاهرة فقط عند الناس ، كل الناس، لعلم أن اللطف الالهي لم ينفك عن مصابه أو بلائه، ولكنها سنة الحياة التي أرادها المولى عز وجل (ليعلم الله الذين آمنوا)لا يعني لأنه لم يكن عالما وسيعلم، فهو سبحانه وتعالى عالم بنا وبأحوالنا وبإيماننا منذ الأزل، ولكنه أراد أن يشهدنا على أنفسنا، هل نصبر ونرضى ونسلم ونلجأ اليه، أم نفزع ونتهاوى وننسى بابه وهو القادر على رفع ما بنا من ضر، فيعلم هنا - كما يقول ابن القيم - أي يعلم إيمانكم واقعا مشهودا (ويتخذ منكم شهداء)وهو فضل وكرم من الحق سبحانه وتعالى عندما يمن بالشهادة على من أراد ليكون مع الأنبياء والصالحين، ومن كرمه أيضا أن جعل اجر بعض البلاءات كالحرق والغرق كأجر الشهداء.

(والله لا يحب الظالمين) فان كنت قد ظلمت نفسك أو غيرك أيها المبتلى فسارع إلى رفع الظلم عمن ظلمت حتى تدخل في معية الله ومحبوبتيه، وعندها سيرفع الضر عنك، (وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) وما خلقنا إلا من أجل هذا، انتخاب الصادقين في إيمانهم ومحق المنافقين والكافرين في الدنيا والا ففي الآخرة.

ماهر سقا أميني