أكد الدكتور محمد سليم العوا، الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أنه بالرغم مما تشهده المرحلة الحالية من هجوم شديد على الإسلام على أكثر من جانب؛ إلا أن أكثر الجوانب ضراوة هو ما يتعلق بالهجوم على الهوية الإسلامية التي باتت مهددة لأسباب عديدة.. لافتا أن هذه الهوية تواجه بحرب ضروس من قبل الغرب بصفة عامة، والولايات المتحدة تحديدًا.
وأوضح العوا أن هذه الحرب أخذت في السنوات الأخيرة منعطفات خطيرة من خلال المجاهرة في الإعلام الغربي بالعداوة الحضارية والدينية للإسلام والمسلمين، وهو أمر توالت بعده أحداث أخرى تمثلت في مطالبة الغرب للدول الإسلامية بتغيير مناهج تعليمها وطرق تفكيرها ليتلاءم كل ذلك في النهاية مع الأهواء الفكرية للحضارة الغربية لتتحقق بذلك مقولة نهاية التاريخ ل«فوكوياما»، وصراع الحضارات «هينتنجتون».
إيقاظ الأمة
هذه التحديات والأخطار في رأي العوا تفرض على علماء المسلمين القيام بدورهم في إيقاظ الأمة من غفوتها، وبث عوامل القوة والعزة فيها من خلال تحديد مصالحها الثقافية التي تعتبر أهم سر من أسرار قوتها حيث اللغة والثقافة والدين والعادات والتقاليد، فضلاً عن الفنون التي برع فيها إسلامنا، وهذه كلها عوامل قوية يمكن أن تضيف رصيداً في مواجهة كل من يحاول النيل من الأمة الإسلامية.
وبخلاف التهديدات الخارجية، قال العوا إن هناك تهديدات داخلية لا تهدد الهوية الإسلامية، وإنما تماسك المجتمع الإسلامي كله؛ لعل أبرزها التطرف الفكري والتعصب للرأي والمذهب، موضحا أن هذا تعصب مذموم ومرفوض يصدر من بعض المنتسبين للإسلام؛ حيث يرون أن الحرية في إبداء آرائهم والدعوة إليها، في الوقت الذي يرفضون آراء الآخرين، بل يحجبون حريتهم في إبدائها؛ ظناً منهم أنهم يملكون الحقيقة المطلقة، وهو أمر له آفاته ومشاكله التي ستنعكس حتماً على المجتمع، والذي سيعاني أفراده من الخبرة وتشتت العقول وتشويه الحقائق.
فقه جديد
وفى رأى المفكر الإسلامي الكبير فان الحل لهذه الآفة الخطيرة، يكمن في الاقتداء بعلماء الأمة في العصور القديمة حيث كانوا يختلفون في الرأي، ومع ذلك كانوا يتناقشون مع بعضهم البعض في محاولة منهم للاتفاق، وإذا لم يتحقق ذلك يكن كل طرف الاحترام للطرف الأخر، ويلتمس له العذر في أسباب إصداره لرأي أو فتوى ما؛ لافتا أنه وصل الأمر ببعض العلماء إلى تأنيب من يسأله في مسألة خلافية بينه وأحد العلماء، وهذا ما حدث مع الشافعي الذي قال لرجل سأله في مسألة خلافية بينه وأبي حنيفة: «أتريدني ألا أصلي خلف أبي حنيفة». أشار العوا أن مثل هذه الخلافات لا ضرر منها؛ لأن الهدف الرئيسي منه هو تحقيق المصلحة ودرء المفسدة، أما الخلاف الذي يوجد من ورائه ضرر هو التعصب لرأي من الآراء، وهذا أمر قد يشتت أفراد المجتمع بين هذا الرأي وذاك؛ ما ينعكس سلبًا على تماسك الأمة.
وانطلاقا من هذا يؤكد الأمين العام لاتحاد علماء المسلمين أن الحاجة تبدو ملحة جدًا لفقه جديد في ظل المعطيات الحياتية الجديدة التي فرضها العصر الحديث؛ فليس من المعقول أن نواجه مشاكل القرن الحادي والعشرين برؤية العلماء والفقهاء السابقين، خاصة أن الشريعة الإسلامية لديها ما يؤهلها للتطور والتجاوب مع أي ظروف زمنية ومكانية.
إعمال العقل
الحاجة ملحة، كما يؤكد العوا، لإعمال العقل، وأن نجتهد في النصوص الدينية بما يتفق مع الضوابط الشرعية؛ بحيث يسهل تطبيق الشريعة الإسلامية على معطيات حياتنا الراهنة، وفي الوقت نفسه يقرب العباد إلى الله سبحان وتعالى، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال السير على قواعد الاجتهاد الأصلية، وأهمها الجمع بين معرفة الواقع ومعرفة النصوص حتى يكون تنزيل النصوص على الواقع تنزيلاً عن بينة وبصيرة بشكل يحقق التلاؤم بين الرأي الفقهي من ناحية وحاجات الناس من ناحية أخرى.
وحذر العوا من الانعكاسات الخطيرة على الأمة في حال التأخر في خروج فقه جديد حتى الآن، واهم هذه الانعكاسات إعطاء الفرصة للحاقدين والجهلاء للتطاول على الشريعة الإسلامية بدعوى أنها جامدة وغير متجاوبة مع المتغيرات الحياتية، إضافة إلى إحداث فجوة كبيرة بين هذه المتغيرات من ناحية، ونصوص ديننا الحنيف، وهو أمر غير مقبول في ظل المرونة التي تتمتع بها شريعتنا السمحة؛ فضلاً عن أن وقوف الفقهاء على آراء واجتهادات العلماء السابقين، وعدم إعمال العقل في المشكلات الحياتية قد يحرم غير المسلمين من هداية الإسلام.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية

