العمل الخيري والإنساني جزء أصيل في نفس الإنسان العربي والمسلم، وما ينطبق على الأفراد ينطبق على الدول العربية والإسلامية وفي مقدمتها دول الخليج العربي وخاصة الإمارات والسعودية والكويت وغيرها، وكم من الملايين التي أنفقتها هذه الدول على مشاريع خيرية وإنسانية في الداخل وفي الخارج لإغاثة المحتاجين وذوي الحاجات وإقامة المشاريع والبرامج التي تعيل الأسر والأفراد وتقدم العلاج أو التعليم لفئات تحتاج إليها.

وترتكن الدول والأفراد إلى ما دعاهم إليه القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة من العائد الايجابي الذي يعود عليهم وعلى الآخرين المستحقين من جراء الإنفاق والتبرعات، وقد بينت الآيات الكريمة أهمية الإنفاق وجعلته من أركان الإسلام ولا يكمل إسلام المرء إلا بهذا الإنفاق وبالزكاة، ففي سورة البقرة ومن أول آياتها نقرأ «ألم ، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون»، وفي آية أخرى «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها»، وفي آية ثالثة «وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه».

وقد تعددت مؤسسات وجمعيات العمل الخيري والإنساني المتخصصة في هذا الجانب الحيوي، مستندة في تحقيق أهدافها على ما أنتجه العلم من تكنولوجيا في إدارة المؤسسات أو البحث الاجتماعي الميداني والمكتبي، ولم يعد العمل الخيري يعتمد على «البركة» أو عدم التخطيط في إدارته، بل تطبق المؤسسات المعنية أحدث ما وصلت إليه الإدارة الحديثة من تخطيط وتنظيم ورقابة وتوجيه وخطط استراتيجية.

وفي زمن التخصصات والدراسات والعلوم والتطور الحادث في هذا المجال فإن الحاجة ملحة لدراسات جامعية متخصصة في جوانب العمل الخيري والإنساني سواء كانت هذه الدراسات في إدارة العمل الخيري والمؤسسات الخيرية أو دور المؤسسات في التنمية الاقتصادية.

هذا الأسبوع قررت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، إنشاء كرسي بحث متخصص في دراسات العمل الخيري، باسم الأمير سلطان بن عبد العزيز، ولي العهد ابتهاجا بعودته من رحلته العلاجية سالماً معافى، ويرى الدكتور سليمان بن عبد الله أبالخيل مدير الجامعة ورئيس مجلس كراسي البحث الجامعة «أن كرسي البحث سيسعى لتوفير بيئة بحثية واستشارية وتدريبية ذات معايير علمية دقيقة تضمن إثراء المعرفة المتخصصة في مجال دراسات العمل الخيري، وتسهم في اكتشاف المشكلات والمعوقات التي تواجه العمل الخيري في المملكة وتقديم الحلول والمقترحات للتعامل الإيجابي معها بما يوفر إستراتيجية علمية للإفادة من المبادرات الخيرية في دعم التنمية المستدامة في المملكة».

مبادرة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تعتبر خطوة أولى في الدراسات الخيرية والإنسانية، ويمكن للجامعات في الدول الأخرى وفي الإمارات إنشاء كرسي مماثل تشجيعا للطلبة والباحثين والعاملين في المؤسسات الخيرية من صقل معارفهم وخبراتهم، ورفد الجمعيات والمؤسسات الخيرية بأشخاص على علم بالعمل الخيري في إداراتها وأقسامها المختلفة، وتخريج باحثين متخصصين في جانب مهم ولا غنى عنه في المجتمع.

السيد طنطاوي