يتحدث كثيرون في مختلف المنابر الإعلامية بضرورة تجديد الفكر والخطاب الإسلامي، ويدلي البعض بأطروحات ذاتية لا ترتكز على أسس دينية وفكرية، بل على مجرد اقتراحات انفعالية نتيجة مواقف طارئة، ما يفقدها الكثير من المصداقية والإلمام بجميع المقتضيات التي ينبغي أن يبنى عليها هذا التجديد..

لذلك جاءت أهمية الكتاب الذي صدر أخيرا عن مؤسسة الهلال، «التجديد والحفاظ على الهوية الإسلامية» للأستاذ الدكتور جعفر عبد السلام، أستاذ القانون الدولي بجامعة الأزهر والأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية. والذي يناقش واحدة من أهم القضايا العصرية، قضية التجديد والحفاظ على الثوابت الإسلامية.يتحدث الكتاب عن موضوعات عديدة تشغل الرأي العام الإسلامي أهمها مفهوم التجديد، ووسائله، وضوابطه، مع التأكيد أن يتم كل ذلك وفق إطار واضح يعزز الحفاظ على الهوية الإسلامية ولا يمس بأصول الدين وثوابته.

ويشير إلى أهمية التجديد في ضوء اختلال المفاهيم التي يعاني منها كثيرون خاصة من فئة الشباب فيما يتعلق بالدين الإسلامي، واعتقاد البعض منهم أن دينهم يحض على كراهية غير المسلمين وإباحة دمائهم، وهذا على غير الحقيقة، لافتا إلى أن من مزايا الإسلام تأكيده مبدأ التجديد، ويتضح ذلك من خلال حديث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها». وفي رواية أخرى «من يجدد لها أمر دينها».

فقد توصل بعض العلماء المحدثين إلى هذا المعنى للتجديد، وقد جاء في الكتاب الذي أصدرته رابطة الجامعات الإسلامية بعنوان «تجديد فهم الدين» للدكتور محمد الدسوقي ما نصه: «التجديد في الدين لا يعني إحداث تشريع لم ينزل به الوحي، أو تغيير حكم ثابت بدليل قطعي، وإنما يشمل ما أندرس من أحكام الشريعة، وما ذهب من معالم السنن، وما خفي من العلوم الظاهرة والباطنة، فهو تجديد يشمل العلم والعمل جميعًا».

ويشير المؤلف إلى أن التجديد فريضة تهدف إلى بعث الأمل في نفوس الأمة بأن جذوتها لن تخبو، وأن دينها لن يموت، وأن الله يقيض لها كل قرن من الزمان، من يجدد شبابها ويحيى مواتها. ويتحدث المؤلف في الفصل الثاني عن آليات التجديد ووسائله، فيقول: اتضح الآن أنه لا مناص من تطوير دراسات الفقه الإسلامي بحيث تكون مقارنة من ناحية، ومتضمنة الدراسات القانونية في نفس أبواب الفقه، وإسباغ الحكم الشرعي عليها عن طريق الاجتهاد.

وكذلك من الضروري بذل الجهد لتحويل الفتاوى والآراء الفقهية إلى نصوص واضحة تدمج في الدراسات القائمة ليتعلمها الطالب. ولابد من إحياء علم أصول الفقه ودراسته دراسة توضح أهداف الشريعة ومقاصدها، وعلم الأحكام وعللها ومقاصد الشريعة منها، لكي يسهل الوصول إلى أحكام شرعية للمشكلات المستجدة، ولإيجاد ما يمكن أن يسمى بالتواصل الفقهي وتجاوز المرحلة التي وقف الاجتهاد فيها عن تتبع المتغيرات.

ويضيف: على كليات الشريعة والحقوق أن تعمق دراسات الفقه الإسلامي، وأن تشجع البحوث العلمية فيه، أيضا ضرورة تدريب من بيدهم التطبيق والتنفيذ على دراسات الشريعة، ومساعدتهم على تكوين ملكات الاجتهاد والاستنباط خاصة لدى القضاة والمطبقين للقانون بشكل عام.

ويذكر المؤلف أن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر طرح مشروعًا حضاريًا لنهضة الأمة الإسلامية، ينطلق من ضرورة تجديد الفكر الإسلامي، لمواكبة تطورات العصر، مع الحفاظ على القيم العليا التي يقوم عليها، والمبادئ التي أرسى قواعدها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

لاسيما أن العالم الإسلامي يواجه خطرًا كبيرًا في الوقت الحاضر ألا وهو العولمة، ولمواجهة العولمة التي تعتبر أهم التحديات التي تواجه الأمم الإسلامية، هو تحدي التخلف، لذا يحتاج المسلم إلى تجديد الفكر الذي يعيش عليه، ولن يتسنى ذلك إلا بإيجاد مناخ ثقافي فكري جديد، ونقاش يحدد أفضل الأساليب التي يجب أن نحكم وفقها ما يستحث إرادة الناس، ويحفزهم للمشاركة في قضايا مجتمعهم، نحتاج إلى إعادة العلاقة بين الحاكم والمحكوم لتكون في أفضل صورها، ليشعر كل مواطن بالولاء لدولته، دون أن نتصارع حول الخلافة.

ويرى المؤلف، أنه لا يمكن لأي فكر تجديدي أن يمارس بدون الحفاظ على ثوابت الهوية الإسلامية، وإلا كان تجديدًا فاسدًا واجتهادًا لا محل له، ولعل القرآن الكريم ينبهنا إلى ذلك في قول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أم الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)، فهذه الآيات المحكمات هي الإطار الثابت الذي لا يجوز المساس به بحال.

ويضيف: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً» وهذا أهم إطار ثابت للهوية الإسلامية، وثان هذه الأطر هي الثوابت في الفكر الاقتصادي الإسلامي، فقد استطاع فريق من مفكرينا المعاصرين أن يجتهدوا في إنشاء مؤسسات إسلامية مهمة، مثل البنوك الإسلامية، واجتهدوا كذلك في صيغ المعاملات الإسلامية، وأدى ذلك إلى إسقاط نظام الفوائد الغربية الذي خلق أموالا بدون مقابل، ما أدى إلى التضخم وخلق مشكلات كبيرة في النمو، ومهمة الثوابت الإسلامية هنا تتمثل في المحافظة على التمييز بين الحلال والحرام.

وخلص المؤلف إلى أن المجتمعات الإسلامية تحتاج إلى التجديد في كافة نواحي الحياة، تجديد الفكر، الفقه، العلم، والسلوك، فلابد من التسليم بأن التخلف والفرقة هي أوضح السمات التي تميزنا الآن، لذا لا بد أن يشمل أن التجديد على الاجتهاد في الفقه الإسلامي لوصل ما انقطع، ومواصلة استنباط الأحكام التي تحكم المشكلات المستجدة في حياتنا.

وتطرق المؤلف إلى التجديد في ثلاثة مجالات، وهي التجديد في بعض وسائل حقوق الإنسان، والتجديد في مجال العلاقة بين الإسلام والآخر، وآخر هذه المجالات هي التجديد في الخطاب الإسلامي المعاصر. أما عن حقوق الإنسان، فقد أعلنت العديد من المواثيق الدولية طائفة جديدة من حقوق الإنسان هي ما تعرف بحقوق التضامن على أساس أنها تمثل الجيل الثالث من أجيال حقوق الإنسان.

باعتبار أن الجيل الأول يمثل الحقوق اللصيقة بشخصية الإنسان وهي حقه في الحياة، ثم حقه في الحرية، وحقه في سلامة شخصه، ثم حقه في التقاضي. والجيل الثاني يمثل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، التي تحتاج إلى تدخل إيجابي من الدولة بهدف تقديم خدمات وتهيئة مناخ يتيح للأفراد أن يتمتعوا بهذه الحقوق.

ويقف المؤلف عند التجديد في بلورة علاقة الإسلام والآخر، فيرى: أن ما بين الإسلام والغرب ليس صراعًا حضاريًا، إلا أن مناقشة الأطروحات الغربية بهذا الخصوص ضرورية لفهم ما يدور حوله الآن من اتهامات. وقد بدأت أوروبا عمليات التنظير الأولى في مدارس فكرية عديدة، بعضها لم يكن معاديًا للإسلام، مثل المؤرخ والمفكر أرنولد توينبي، لكن الكتابات الأميركية الفكرية والسياسية وظفت هذه الأفكار في أطروحات نظرية عديدة.

كما تطرق المؤلف إلى التجديد في الخطاب الإسلامي، موضحا أن أفضل تعبير عن الكلام في الخطاب الإسلامي المعاصر هو خطبة الجمعة، وتختلف الدروس والعظات التي تعطى في مساجدنا ومراكزنا الثقافية والإسلامية في كثير من الدول الإسلامية.

لكن يلاحظ على خطبة الجمعة في بلادنا بشكل عام، أنها تميل إلى التشديد على الناس بشكل عام، وأنها تعتمد على الترهيب، فضلا عن ضعف مستوى الخطباء، مؤكدا ضرورة معالجة هذا الخلل، وقيامهم بالتعرض لأحداث الحياة، ومشكلات المسلمين المعاصرة.

وفي الختام، يوصي المؤلف بخطوط أساسية لتطوير الخطاب الإسلامي المعاصر، منها وضع دراسات في مناهج الدراسة في مختلف الكليات تؤكد أسس الوحدة بين المسلمين، وتبين كيفية القضاء على معوقاتها، وكيف يمكن الوصول إليها، وضرورة تعاون المنظمات الدولية الإسلامية وعلى رأسها منظمة المؤتمر الإسلامي، الإسيسكو، واتحاد جامعات العالم الإسلامي ورابطة الجامعات الإسلامية في تأليف مناهج جديدة تتضمن هذه الاتجاهات، وتعزز التجديد المنطلق من ثوابت الهوية الإسلامية.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية