فتوحات العلم والطبية على وجه التحديد، قد تجد في معظمها حذرا من رجال التشريع الإسلامي ومنظري الأعراف الاجتماعية، لكن التشريع الإسلامي لا يقف وحده عائقا، أمام تقبل هذه الفتوحات وتقنياتها الحديثة.
فهذا مجلس هيئة علماء المسلمين يقرّ وبالإجماع قضية غاية في الحساسية وهي جواز نقل عضو من انسان إلى نفسه أو من انسان إلى آخر إذا دعت الحاجة إلى ذلك. وفتاوى فقهاء المسلمين أجمعت في غالبيتها على مشروعية التبرع بالأعضاء سواء من الأحياء أو الأموات، وهو ما اعتبره الدكتور فيصل شاهين مدير عام المركز السعودي لزراعة الأعضاء فتحا دينيا ترك بالغ الأثر في هذا المجال. فاستبدال الأعضاء السليمة بالأعضاء الحيوية التالفة يعتبر من أعظم الانجازات البشرية في العصر الحديث، وفق تشديد الدكتور مصطفى الموسوي من مركز زراعة الاعضاء في الكويت، كيف لا وهي تنقذ آلاف المرضى من الموت أو المرض؟ ويضم الموسوي صوته إلى صوت شاهين شاكرا جميع مؤيدي هذا العمل الذي يصفه بالانساني النبيل، في معرض حديث لا ينسى خلاله أن يشير إلى «الكثير مما ثار حول هذه العمليات الجراحية من الآراء الاجتماعية والدينية والقانونية، وكذلك الطبية».
وفي الحقيقة فإن هذا الجدل ما زال يدور في كثير من دولنا العربية معطلا حتى اجماع الفقهاء، ومعطلا لإصدار القوانين المنظمة، بل ومعطلا للقوانين التي تصدر بالفعل. وعلى سبيل المثال لا الحصر أقر البرلمان المصري قبل أسبوعين فقط مشروع قانون ينظم عملية نقل وزراعة الأعضاء بعد جدل استمر عقدا كاملا حول هذا الموضوع، ما يبشر بقرب صدور هذا القانون. وما يؤكد أن الجدل ليس له علاقة بالتشريع الإسلامي أن استمراره طويلا دفع الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لتوجيه دعوة إلى مصر لحسم القضية، معتبرا أنها مسألة حسمتها دول إسلامية كثيرة. وهذه القلة القليلة المعطلة باستمرار جدلها وهي تضع يدها في ماء بارد، لا تستشعر معاناة ما يزيد عن 40 ألف عربي تحترق قلوبهم وهم في انتظار الموت أو يعيشون حياة شعارها العجز، ومنقذهم الوحيد هو زراعة عضو جديد.
وهو ما يكشفه الدكتور فيصل شاهين في احصائيته التقريبية التي تبيّن أن عدد المرضى العرب ممن هم بحاجة الى زراعة الاعضاء يقدر بنحو 120 شخصا لكل مليون نسمة من السكان، مشيرا الى ان 30- 40% من مرضى الفشل الكلوي الحاد يحتاجون الى زراعة الكلى و5 - 10 % من مرضى الفشل الكلوي يموتون سنويا بسبب عدم توفر متبرعين لهم. القوانين في هذا المجال شُرّعت وصدرت في كثير من دولنا ومنها مثلا الإمارات والسعودية والكويت وسلطنة عمان وغيرها، ولكن ما يحتاجه مجال زراعة الأعضاء في الوطن العربي يتجاوز مجرد اصدار القوانين التي تبقى معطلة وسط الكثير من المعيقات. وحتى القانون المصري الذي لا يزال في طور المشروع وتطلب من البرلمان عقدا من الزمان لإقراره، احتاج وزير الصحة هناك حاتم الجبلي، إلى الكثير لتبديد مخاوف النواب من أن يفتح القانون الجديد الباب واسعاً أمام تجارة الأعضاء.
المخاوف الكبيرة من انتشار هذه التجارة دفعت الدول التي أصدرت تشريعات بالفعل إلى تشكيل لجان متابعة وتدقيق، واعتماد أساليب ضبط دقيقة في هذا المجال، ولكن ما يقترحه الدكتور مصطفى الموسوي قد يكون أكثر جدوى من كل ذلك وهو رفع نسبة الإقبال على التبرع، وهذا الأمر بالتأكيد لو تحقق فإنه سيحد من المتاجرة في الأعضاء.
ولتحقيق ذلك، كما يقول الموسوي، لا بد من برامج وطنية تتبناها الدول أو المؤسسات الخيرية تقوم من خلالها مثلا بدفع مكافأة للمتبرع وتأمين صحي مدى الحياة لأن المتبرع بالتالي سينقطع عن عمله لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر وبالتالي يستحق تعويضا أو مكافأة، مشيرا إلى أن الكلية لا تقدر بثمن، كما يعود ليؤكد على اعتقاده بأن «هذه هي الطريقة الوحيدة للقضاء على تجارة الأعضاء».
وضعف التبرع في الأساس هو معيق آخر يضاف إلى معيقات تحقيق انجاز في هذا المجال، وفي السعودية مثلا هناك اهتمام كبير في هذا المجال، وكما يشير الدكتور فيصل شاهين فإن بطاقات التبرع بالأعضاء تتوفر في جميع المستشفيات، وقد تم توزيع أكثر من 5,2 مليون بطاقة تبرع بالأعضاء بعد الوفاة.
ويقول شاهين إن التبرع من المتوفين دماغيا يعتبر مصدرا أساسيا لا غنى عنه للتبرع بالقلب والرئتين والكبد والقرنية.
وتقدر حالات الوفاة الدماغية في السعودية بنحو 1000 حالة سنويا يمكنها أن تؤمن احتياجات السعودية من الأعضاء إذا ما تم تشخيص هذه الحالات مبكرا من قبل الأطباء وإذا تمت الموافقة على التبرع بالأعضاء من كل أسر المتوفين دماغيا، لكن لا يتم التعرف والتبليغ إلا عن 350 إلى 370 حالة سنويا من مختلف المستشفيات في السعودية ويتم توثيق تشخيص الوفاة الدماغية في 70% من الحالات، بينما يوافق ذوو المتوفين دماغيا في نحو 35% فقط من الحالات الموثقة.
ويعلق شاهين آمالا كبيرة على أن «ازدياد عدد الحالات المبلغة وعدد الموافقات، مصدر سيغني برنامج التبرع بالأعضاء عن البحث عن مصادر أخرى، لأن المتوفى لا ينتفع بأعضائه بينما يفيد العديد من المرضى المحتاجين لها».
هذا الأمر بالتأكيد سيأخذنا إلى الوعي بأهمية المسألة إذ تؤكد الدكتورة عليا سيف المزروعي أخصائي أول الجراحة العامة بمستشفى راشد في دبي واختصاصية زراعة الكلى والبنكرياس عضو اللجنة الوطنية لزراعة الاعضاء على ان احد أهم المعوقات التي تواجه برامج زراعة الاعضاء هي عدم وجود وعي مسبق بأهمية التبرع بالأعضاء وزراعتها والتعرف على النجاح الذي وصلت إليه.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فوجود المتبرع سيحل نصف المشكلة ولكن هل هناك بنية تحتية طبية مؤهلة لإجراء مثل هذه العمليات في الوطن العربي؟
سؤال يجيبنا عليه الدكتور فيصل البدري رئيس قسم الجراحة في مستشفى راشد عضو واختصاصي زراعة الاعضاء وعضو اللجنة الوطنية لزراعة الأعضاء قائلا إنه بالنسبة لزراعة الكلية لا يوجد هناك معوقات طالما وجد المتبرع، فالمريض والمتبرع بإمكانهما الذهاب لأي مركز متخصص واخذ موعد ومن ثم إجراء العملية، ولكن بالنسبة لأخذ الأعضاء من المتوفين دماغيا فهي عملية معقدة تحتاج إلى إمكانيات كبيرة منها التنسيق بين المستشفيات وأسماء المرضى المحتاجين لزراعة الأعضاء حسب الأولوية «عمر المريض ومدى حاجته، والأمراض الأخرى التي يعاني منها».
ويضيف بدري أن المسألة تحتاج أيضا في هذه الحالة إلى فريق طبي متخصص وطائرات تكون دائما على أهبة الاستعداد على مدار الساعة للانتقال إلى مكان حدوث الوفاة الدماغية لإحضار الأعضاء بعد الحصول على تقرير لجنة طبية وشرعية تؤكد وفاة المريض دماغيا وموافقته المسبقة أو موافقة ذويه، وبنفس الوقت تحضير المريض الذي ستجرى له عملية الزراعة.
خاصة وان الأعضاء المنقولة لها عمر زمني للاستفادة منها، وبالتالي يشدد بدري على أن «الفكرة تحتاج لدعم مادي ولوجستي كبير».
ويشير الدكتور بدري إلى أن السعودية وفرت هذا الدعم وبالتالي نجحت الفكرة ولكنه يتساءل هل بإمكان الدول العربية الأخرى توفير ذلك؟
لا بد أن تكلفة ذلك عالية جدا، ورغم ذلك يرى بدري ان زراعة الأعضاء على المدى البعيد ارخص وأوفر لأي دولة من صرف الأدوية، وارخص من إرسال المرضى للخارج لإجراء العمليات، وفي حال افترضنا أن المريض بقي طوال عمره يعيش على الأدوية ترتفع التكاليف إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف، وهذا استنزاف للموارد المادية والكوادر الوطنية.
والأهم من كل ذلك في توفير البنية اللازمة لإجراء مثل هذه العمليات وتشجيع المتبرعين، حسب تأكيدات الدكتور بدري، بأن جميع دول العالم تقريبا باتت الآن تمنع زراعة الأعضاء لغير مواطنيها، وبالتالي يجب علينا التخطيط لمثل هذه المراكز للأجيال القادمة.
الدكتورة عليا سيف المزروعي تشدد على ان جميع مقومات النجاح موجودة ومتوفرة في دولة الإمارات لإنشاء مركز لزراعة الأعضاء، وتقول ان الوقت بات مهيأ لذلك أكثر من أي وقت مضى معتمدة في ذلك على ان الخدمات العلاجية في الدولة شهدت نقلة نوعية خلال السنوات القليلة الماضية والكثير من الحالات المرضية التي كان يتم ارسالها للخارج باتت تعالج داخل مستشفيات الدولة وبنسب نجاح تضاهي مثيلاتها في الدول المتقدمة.
ويؤيدها الدكتور فيصل البدري في أن الحاجة أصبحت ماسة لإنشاء مركز لزراعة الأعضاء في الدولة، يتم تنفيذه على مراحل بدءا من زراعة الكلى لأنها من أسهل العمليات خاصة وأنها تؤخذ من متبرعين أقارب.
مشيرا الى ان هناك ما يزيد عن ألف مريض على مستوى الدولة يعانون من الفشل الكلوي الحاد، وفي المرحلة لاحقة، يتابع بدري، يمكن دراسة موضوع نقل وزراعة الأعضاء من المتوفين دماغيا.
واعتمدت الدكتورة عليا كذلك على تجربة الدول الأوروبية التي تمتلك مركزا يطلق عليه المركز الأوروبي لزراعة الأعضاء و لديها تنسيق وتعاون جيد في هذا المجال ولديها شبكة اتصالات قوية جدا وفرق طبية جاهزة على مدار الساعة للانتقال من بلد لآخر لنقل الاعضاء من المرضى المتوفين دماغيا وزراعتها للمرضى المحتاجين، لتؤكد ضرورة وجود تنسيق وتعاون في هذا المجال بين دول الخليج بل بين الدول العربية ككل.
من جانبه يشدد الدكتور نبيل محسن سالمين رئيس البرنامج الوطني لزراعة الأعضاء في سلطنة عمان على ذات القضيتين، تشجيع التبرع وتطوير زراعة الأعضاء، معتبرا أنهما نقطتان أساسيتان فهما تتصلان بقضية عالمية تتمثل في الارتفاع المتواصل في أعداد مرضى الفشل الكلوي.
وبالتالي لا بد من العمل على تطوير برامج زراعة الأعضاء بصورة عامة والكلى بصورة خاصة في دول مجلس التعاون بشكل خاص والدول العربية بشكل اعم، من خلال تشجيع الأقارب على التبرع. خاصة وان عملية التبرع هي عملية سليمة ونتائجها طبيبة جدا ويمكن للشخص المتبرع بالكلية أن يعيش حياة طبيعية دون مشاكل، وثم تطوير برامج نقل الأعضاء من المتوفين دماغيا.
الفقهاء أقروا والمشرعون، على الرغم من بعض التأخير أحيانا، أصدروا القوانين التي ربما تحتاج إلى المراجعة بشكل مستمر.. ولكن هل انتهى كل شيء .. ننتهي بما قاله الدكتور البدري « يجب علينا أن نبدأ».
إضاءة
قرار هيئة كبار علماء المسلمين
قرر مجلس هيئة علماء المسلمين وبالإجماع جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان حي مسلم أو ذمي إلى نفسه إذا دعت الحاجة إليه وأمن الخطر في نزعه وغلب على الظن نجاح زرعه.
كما قرر بالأكثرية ما يلي:
(1) جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان ميت إلى مسلم إذا اضطر إلى ذلك وأمنت الفتنة في نزعه ممن أخذ منه وغلب على الظن نجاح زرعه فيمن سيزرع فيه.
(2) جواز تبرع الإنسان الحي بنقل عضو منه أو جزئه إلى مسلم مضطر إلى ذلك.
وقرر مجلس مجمع الفقه الإسلامي في شأن أجهزة الانعاش ما يلي :
يعتبر شرعاً أن الشخص قد مات وتترتب جميع الأحكام المقررة شرعاً للوفاة عن ذلك إذا تبينت فيه إحدى العلامتين التاليتين:
1. إذا توقف قلبه وتنفسه توقفاً تاماً وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه.
2. إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائياً، وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه، وأخذ دماغه في التحلل. وفي هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص وإن كان بعض الأعضاء كالقلب مثلاً لا يزال يعمل آلياً بفعل الأجهزة المركبة.
وضع الأسس
حدد القرار الذي اصدره معالي وزير الصحة بتشكيل اللجنة الوطنية لنقل وزراعة الاعضاء بوضع مشروع اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم ونقل وزراعة الأعضاء البشرية واقتراح مشروعات القوانين واللوائح التي تتصل بتنفيذ البرنامج الوطني لنقل وزراعة الأعضاء البشرية وتطويره، وكذلك وضع الأسس لإنشاء وحدة تنظيمية مركزية لشؤون زراعة ونقل الأعضاء في الوزارة.
كما حدد القرار مهاما أخرى للجنة تتعلق بوضع الخطة القومية لتفعيل برنامج زراعة الأعضاء والإشراف على تنفيذها وتذليل العقبات التي تعترض تطوير البرنامج، وكذلك دراسة حالات الفشل العضوي وحصر أسبابه ووضع السياسات اللازمة للوقاية منه وعلاج حالاته إلى جانب وضع الشروط والمواصفات الفنية لمركز نقل وزراعة الأعضاء البشرية ووضع الخطة التفصيلية لإعداد وتدريب الكوادر الفنية اللازمة لتنفيذ البرنامج ضمن أعلى معدلات الجودة إلى جانب دراسة المشكلات التي يسفر عنها تنفيذ البرنامج ووضع الحلول المناسبة لها.
تحقيق - عماد عبد الحميد



