كانت تلك هي المرة الأولى التي يسافر فيها إلى خارج الدولة، لم يكن يعلم شيئا عن ذلك المكان، ولا يعرف ما فيه من خير أو شر، ولكن كان عليه أن يسافر إلى هناك رغماً عنه، ليس للمتعة وإنما طلبا للعلم، عملاً بالأثر الذي يقول: «اطلبوا العلم ولو في الصين».
في ذلك اليوم جلسنا سوياً نتحدث عن المستقبل، وعن تحدياته، وعما قد يواجه في بلاد الغربة، لا أدري لماذا شعرت بأن وراء ابتسامته قلباً يرتجف، واسكتّ ظنوني بنيران الغربة.
في الوقت المحدد استقل الطائرة وما هي إلا لحظات حتى كان ظلها يلوح في السماء، مرّ الوقت سريعا ليتصل بعد خمس ساعات ونيف ليطمئن أهله بوصوله بالسلامة، حينها بدأت عيون والدته بالسيلان ولسانها يلومها على إرساله بعيداً عنها، في المقابل كان والده خائفا عليه كثيرا، فهو بعمر لم يشتد عوده بعد وما زال بحاجه إلى الرعاية، وليبدد مخاوفه بدأ يلهج بالدعاء له، ويتمنى من الله أن يوفق ابنه الذي كان ثمرة سنوات طويلة من العشرة الزوجية.
مرت الأيام الأولى والسنة الأولى بسرعة، حدثت خلالها تطورات كثيرة، وفي احد الأيام عاد أدراجه إلى بيت والده في رحلة إجازة، اتصل بي ودعاني إلى قهوة سوداء ترافقها نغمات كركرة النرجيلة التي كان قد اعتاد عليها هناك، وبعد اللقاء سألته كيف تجري الأمور؟
حاول طمأنتي عليه وعلى دراسته وكان يتحدث بلغة الواثق، لمحت في عينيه تغيرا، فقد بان لي انه خرج من عباءة الطفل المراهق ليتلبس الرجولة التي بدت آثارها واضحة على وجهه، بدأت بمراقبة تصرفاته وقد وجدتها قد اختلفت كثيرا وأصبح فيها اقرب إلى الله عز وجل، لقد فاجأني في ذلك، فلم يعد يترك فرضا ويحرص على أداء الخير في أي وقت، عندما سألته عن ذلك قال لي: في ذلك البلد أمامك طريقان لا ثالث لهما؟
اما التنقل بين البارات والنساء، أو التنقل بين بيوت الله، وبالنسبة لي فضلت اللجوء إلى بيوت الله، وقد وجدت فيه الرحابة والسعة التي ساعدتني على التخلص من الخوف والرهبة، ووجدت فيها ما لم أكن احلم به، ولذلك اشكر الله عز وجل أن يسر لي طريق السفر لأغير ذاتي من الداخل.
غسان خروب
