حمل حبها في قلبه لسنوات طوال، وبقي ينتظر ذلك اليوم الذي يقترب فيه منها، ومع انتشار الانترنت تمكن من التواصل معها والاقتراب منها بحجة علاقة الدم التي تربطهما معا، بدا الأمر عاديا للوهلة الأولى أمام الأهل.
وقد نال في بدايته التشجيع، لم يطل فيه الأمد ليكشف لها عن مخزون الحب الذي يعتمر قلبه، ولتبادله هي الأخرى ذات الشعور، ليبدأ عماد وسهير برصف طريق حياتهما المشترك والتخطيط لبيت صغير يجمعهما، وفي خضم ذلك لم يكونا يدركان أن الحدود التي أزالتها الخطوط الالكترونية موجودة على ارض الواقع، وأنهما لن يتمكنا من تخطيها ليس بفعل الأهل، إنما هو بفعل القانون، فهي تمتلك وثيقة سفر لا تجيز لها دخول الدولة التي يقيم فيها عماد، ليبدو أن القدر يتربص بحبهما.
حصل عماد وسهير على الضوء الأخضر من عائلتيهما، ولكنهما بقيا واقفين على إشارة الحدود الحمراء التي تمنعهما من مواصلة الطريق في مركب واحد، طال بهما زمن الوقوف عليها، ورغم ذلك لم يسمحا للملل ان يتمكن منهما، وفي كل مرة كان الأمل مسيطرا فالأهل يباركون خطوتهما.
امتدت حكاية الحب لتبدو الأطول في عائلته وفي حياة كل من عرفوا عماد وسهير، والكل يلهج لهما بالدعاء بالتوفيق رغم عدم معرفتهم بوقت تحول إشارة الحدود الحمراء إلى الأخضر، أو إذا ما كانت أصلا ستتحول في يوما ما، في المقابل لم يترك عماد طريقا يمكنه من تخطي هذه الإشارة، وفي كل مرة كان تصدمه القوانين، لتبدو جهوده هباء وكأنها ماء وسط الصحراء.
ونتيجة لذلك، حاول الأهل جاهدين لاقناعهما بعدم وجود «نصيب» بينهما، فسنوات العمر تمضي إلى الأمام، وأنه لا مجال للانتظار أكثر على ذات الإشارة، فالقضية اكبر من مساحات الحب التي تجمعهما وحتى علاقة الدم، فالحدود طويلة وعميقة ولا يمكن تخطيها.
وهو ما أدخل عماد ونصفه الآخر في حلقة اليأس والاكتئاب، وبقي كذلك حتى لاح له الفرج بأن تمكن من دخول حدود الدولة الثانية، ليبادر فورا «بكتب كتابه»، ليعود أدراجه فرحا محملا بالأمل في إمكانية إحضار نصفه الآخر إلى حيث يقيم ولكن لم يدم خيط الأمل طويلا، فقد قطع بفعل القوانين التي اعتبرت أوراق سهير غير مؤهلة للحصول على الإقامة في بلده، وبعد محاولات عدة كانت نتيجتها العقم، لم يجد والد الفتاة بدا من الاتصال بأخيه وهو والد الشاب ليطلب منه فسخ العقد، لتكن تلك القنبلة التي فجرت الطريق الذي اجتهد عماد وسهير في تمهيده، ليعود هو لدائرة اليأس محملا بالفشل، وليدخل في بيت الرهبنة عازفا عن جنس النساء.
غسان خروب
