لعله واحد من أجمل ما قدمته السينما الفرنسية خلال السنوات القليلة الماضية، والذي لم يكن ضمن حزمة الأفلام التي عرضت في دورة المهرجان إنه فيلم « سيرافين » للمخرج مارتان بروفوس والذي قامت ببطولته الممثلة البلجيكية يولاند مرو من أجمل الأفلام الفرنسية من إنتاج 2008، وحصد عشرات الجوائز العالمية.

يقول الناقد المصري المقيم في فرنسا صلاح هاشم إن الفيلم يعتبر «أحد أهم الأفلام الفرنسية التي ظهرت مؤخرا»، وقد عرض في مهرجان القاهرة السينمائي، يحكي عن خادمة فقيرة في الريف الفرنسي من بلدة « سانليس « تعمل عند أسرة برجوازية تستقبل تاجر لوحات ألماني في دارها ، وتطلب من سيرافين أن تحضر ثلاث مرات في الاسبوع لتنظيف غرفته.

ومن خلال علاقتها بهذا التاجر الذواقة الفنان نتعرف على حياة هذه الخادمة البلهاء التي تعيش وحدها في غرفة ضيقة معتمة، وتتهرب من دفع إيجاراتها المتأخرة، ومسكونة بأرواح وأصوات ميتافيزيقية علوية تجعلها تصرح لصاحبة الدار ان ملاكها الحارس همس لها أن تتفرغ لرسم اللوحات الزيتية، ولذلك تقوم سيرافين في الخفاء بسرقة الدم من صحن كبد جاموس في المطبخ ، وتعرج عند عودتها إلى غرفتها علي خردواتي يبيع لها الورنيش ولا يعرف ماذا تفعل به، ويعتقد الجميع بسبب تصرفاتها وتلك الأصوات العلوية التي تسكنها وتجعلها تغني بعض المزامير من الإنجيل في وحدتها أنها لابد وأن تكون مجنونة وتستحق منهم كل شفقة وعطف.

يوثق فيلم « سيرافين » في عمل سينمائي أقرب إلى أفلام السيرة الذاتية كما في فيلم « فان جوخ » للأمريكي فانسان مينيللي الذي يلعب فيه الممثل كيرك دوجلاس دور الفنان الهولندي فان جوخ، يوثق لسيرة الفنانة الفرنسية الفطرية سيرافين لوي في اوائل القرن العشرين ويحكي عن ظروف حياتها وكيف كانت ترسم في وحدتها وكيف استطاعت بفضل علاقتها بذلك التاجر الألماني مثلي الجنس الذي اكتشف موهبتها واشتري لوحاتها، أن تطور من فنها وأن ترتقي سلم الشهرة والمجد وتصبح فنانة من أشهر الفنانين الفطريين في تاريخ هذا الفن في العالم.

ويضيف هاشم: «غير أن الفيلم الذي بدا لي مثل « سوناتة » من سوناتات شكسبير أو مقطوعة موسيقية ليوهان سباستيان باخ أو لوحة لسيزان ، بفضل كل تلك العناصر الفنية المجتمعة في الفيلم من ناحية السيناريو والتصوير والموسيقي والإخراج وفي طليعتها ذلك الأداء الرائع للممثلة يولاند مورو التي تشمخ في تجسيد سيرافين في قلب الطبيعة في ذلك الريف الفرنسي الساحر وهي تنصت إلى أنشودة الطير وتروح تعانق الشجر وتتحدث مع الزهور والحشرات والفراشات وتخاطب السحب وهي تستحم عارية في مياه الجداول ».