ضمن فعاليات «دائرة الضوء»، عرض مهرجان دبي السينمائي الدولي فيلم «قرطاجنة»، بحضور نجوم الفيلم وطاقمه، وهو أحد عروض الأفلام الفرنسية المتعددة. ولا يأتي اختيار «مهرجان دبي السينمائي الدولي» لسينما فرنسا لكي تكون «تحت دائرة الضوء»، من باب الصدفة أو الحفاوة غير المبررة.

السينما الفرنسية، التي يوغل إنتاجها الأولى في زمن يتجاوز القرن (منذ الأخوين لوميير مبتكري السينما في العالم أجمع)، تعيش في هذه الفترة واحدة من مفاصلها التاريخية الأكثر عمقا، أو، كي لا تأخذنا حماسة المبالغة، هي لحظة تذكرنا بانتفاضة عاشتها سينما فرنسا في ستينيات القرن الماضي، وأطلق عليها سينما الالتزام . أما اليوم، فنحن نعيش «ثورة» مخرجين سينمائيين ضد فكر سياسي أتت به الطبقة الحاكمة، من الرئيس ساركوزي وفريقه، إلى بلد الحرية والانفتاح. فكر ينادي بالعصبية الفرنسية، ضد الأجنبي، وفي طليعته العربي والمسلم، ذلك المهاجر الذي بات جزءا من النسيج الفرنسي الاجتماعي والثقافي طوال العقود الماضية. اليمين الساركوزي المتطرف لا يوفر مناسبة، ولا قانونا أو إجراء، الا ويستغله لمحاصرة الفرنسي من غير الدماء اللاتينية. لكن رد فعل الشارع، المثقف في طليعته، والشعبي في جماهيريته، لا ينساق مع «رؤية السلطة».

بل على العكس، يعترض وينتج ابداعا، ضد تلك الشوفينية التي لم تهدد بعودة باريس، مدينة الأنوار، إلى عهد الظلمات. ثمة سينما، تصنع في فرنسا، هذه الأيام، تؤكد حق المواطنة الكامل لمن يحمل الجنسية الفرنسية، وحق الانسانية الكامل للمهاجر الذي لفظته بلاده مبلولا برحلة العذاب وملح الأحلام على الشواطئ.

مهرجان دبي السينمائي، عرض طليعة تلك الموجة من الأفلام، واحتفى بها، في سياق احتفاء دبي بكل ما هو انساني ويتوق إلى الحرية ويحاكم العنصريين. شاهدنا «نبي» للمخرج جاك أوديار، وكذلك «أهلا» لفيليب يوري وأفلام قصيرة أخرى مثل عام «الجزائر» ، وكلها تنتصر لأفكار المواطنة.

في فيلم يوري المؤثر، نشهد قصة مراهق كردي، حل في فرنسا، في رحلة هدفها الوصول إلى محبوبته المقيمة في لندن. هو، في سبيل ذلك، يريد ان يتعلم السباحة، أن يقطع قناة المانش الخطرة بين فرنسا وبريطانيا، سباحة.

سيجد مساعدة من مدرب سباحة فرنسي يعيش خيباته العاطفية مع زوجته، وتأخذنا الأحداث إلى علاقة انسانية راقية بين الشخصين، يواجه بها الفرنسي مجتمعه، بدءا من الدائرة الصغيرة المتعلقة بالجيران والمعارف، وصولا إلى مستويات أعلى من القوانين التي تمتع مساعدة اللاجئ، بحجة تشجيعه على خرق القوانين.

بلغة سينمائية راقية، خبيرة وبعيدة عن «الكليشيهات»، التي تتعرض لحياة المهاجرين في السينما عادة، يأخذنا المخرج إلى عوالم إنسانية قاسية، حيث يتعاطف المشاهد مع عذابات اللاجئين، من دون أن يشعر بأنه وقع في فخ الابتزاز العاطفي. ينتهي الفيلم بخاتمة مأساوية، لعلها تحذر من الآتي إلى المجتمع الفرنسي، اذا انساق إلى الخطاب الساركوزي المتطرف.

أما «نبي» أوديار، الآتي إلى مهرجان دبي مثقلا بعدد هائل من الجوائز في فرنسا وخارجها، فهو يتعرض لحياة مهاجر يواجه قسوة السجن، ويتمكن من الانتصار على المافيات الكورسيكية والأصولية الإسلامية في السجن. يحذر هذا الفيلم من طريقة الإدارة الماكيفالية للسلطة، إذ إن الضحية قد يتحول إلى جلاد، والسحر قد ينقلب على الساحر، ومن هنا يحمل «نبوءة» تستحق التأمل بها.

أفلام أخرى عرضها المهرجان تتعرض إلى توثيق التجارب الذاتية، وأحزان الطفولة، والمشاكل الاجتماعية وغيرها. ففي فيلمها الوثائقي الرائع «شواطئ آنييس»، تروي «آنييس فاردا»، قصة حياتها وتاريخ السينما الأوروبية. واستطاعت فاردا، البالغة من العمر 81 عاماً والتي تعد إحدى أعظم مخرجات فرنسا، بأسلوبها وتقنياتها الرائدة أن تعيد رسم ملامح «الموجة الجديدة» في فرنسا نهاية خمسينات القرن الماضي، كما فتحت الباب أمام عشاق التقنيات الرقمية لتكشف عن حياة مثيرة وتاريخ حافل للسينما الفرنسية.

ويروي فيلم «القنفذ» أول عمل للمخرجة منى أشاشي، وهو فيلم ذكي وظريف يذكرنا بأيام الطفولة ومغامراتها، قصة «بالوما»، فتاة جادة تعاني من ملل كبير، وهي ابنة 11 عاماً، وتقرر قتل نفسها في عيد ميلادها الثاني عشر. ومع اقتراب موعدها مع الموت، تبدأ «بالوما» بالاقتراب من شخصيتين في حياتها: حارس بنايتها حاد الطباع، وجارها الغامض والأنيق، وكلاهما يدفعانها لتعيد التفكير بنظرتها المتشائمة للحياة.

ويروي فيلم «الملجأ» للمخرج «فرانسوا أوزون» قصة عن المخدرات والموت والولادة، حيث يقدّم دراسة لحياة امرأة جميلة منعزلة تدعى «موسي»، يموت حبيبها «لويس» بعد تعاطيه جرعة من المخدرات، لتكتشف بعد ذلك أنها حامل. وتقرر موسي الهرب إلى الريف لتعيش في عزلة عن العالم، وهناك، يزورها «بول» أخو «لويس»، حيث تتعقد الأمور بينهما لتبدأ بإلقاء ظلالها على علاقتهما، تمهيداً للنهاية الحزينة وغير المتوقعة التي يفاجئنا بها «أوزون» الذي يشتهر بنظرته الدقيقة والفاحصة للمشاعر البشرية بتعقيداتها وغرابتها.

ويتناول فيلم «الرحلة الأخيرة» للمخرج كريم دريدي، في عرضه العالمي الأول، قصة «تشوبي» (ماريون كوتيلارد)، مغامرة شابّة تنطلق في رحلة للبحث عن حبيبها الذي اختفى في الصحراء الكبرى. والفيلم دراما عاطفية مستوحاة من قصة حياة «بيل لانكستر» و»تشوبي ميلر»، الثنائي الذي انتهت رحلاتهما فوق السحاب بين عشرينات وثلاثينات القرن الماضي بحادثة غامضة أدت إلى موت «لانكستر» تحت شمس الصحراء الكبرى في 1933.

هناك تقرر زوجته وشريكته «تشوبي» التحليق بمفردها للبحث عنه. وفي قلب الصحراء، تلتقي برجل يدعى «أنطوان»، وهو قبطان ثائر من الجيش الفرنسي، يسمح لنفسه بالتورط في مهمتها الصعبة. هناك، ستشهد الصحراء برمالها الحارقة، وسمائها الواسعة على ولادة قصة حب حقيقي.

دبي - إبراهيم توتونجي