بمجرد أن يعود بذاكرته إلى البداية تتعاظم لديه ملامح الحمد والشكر لله.. فمنذ سنوات قليلة تبددت ملامح المستقبل من أفقه، ورأى الموت واليأس بأكثر من وجه قبل أن يستقر مع عائلته في فناء الإمارات، وهو الذي يبلغ من العمر 25 عاماً.

يقول محمد: كنا نسكن في بغداد أثناء الحرب على العراق أنا وأمي وشقيقتي وشقيقي، أما والدي فهو متوفى منذ سنوات، في حين أخي الأكبر يقيم هنا في الإمارات.

ساءت الظروف الأمنية في بغداد قبل أكثر من ثلاثة أعوام، فقررنا المغادرة على وجه السرعة، لاسيما وأن الموت كان يتربص بالجميع في كل وقت وحين، ولا أحد هناك يأمن على روحه من شيء، ونحن أسرة فلسطينية تقيم في العراق، فكان القرار بأن نسافر إلى الإمارات، وللأسف لم يتمكن شقيقي الآخر من السفر معنا في ذلك الوقت لظروف عمله، فقررت أنا ووالدتي وشقيقتي الخروج بأرواحنا إلى أفق أكثر أمناً.

بحمد الله وشكره وصلنا إلى الإمارات بعد عناء سفر لا يطاق، وهنا يقيم شقيقي الأكبر منذ سنوات قليلة، الذي تمكن من استئجار شقة صغيرة تأوينا مؤقتاً، وكنا نملك مبلغاً متواضعاً من المال، وهو المصروف الذي تمكنا من حمله حين سافرنا على عجالة، لذلك بقيت متحفزاً وبقوة للبحث عن عمل أستطيع من خلاله المساعدة في مصروف البيت، وللأسف فأنا لم أنتهِ في دراستي من المرحلة الثانوية، في حين أن شقيقي الذي لم يتمكن من الخروج من العراق يحمل شهادة في برمجة الحاسوب، وشقيقتي تحمل شهادة في العلوم، وهي الأخرى لم تكن محظوظة لأنها لم تتمكن من استلام شهادتها من العراق بسبب الحرب.

وبحكم إصراري على العمل، وكنتيجة حتمية لشخصيتي الاجتماعية، بدأت أكون صداقات وأتعرف على الجيران، وأبحث في محيطي عن أي وظيفة ممكنة، ولله الحمد تمكنت من الحصول على وظيفة براتب 1500 درهم، وكذلك الأمر بالنسبة لشقيقتي التي عملت في وظيفة أخرى بنفس الراتب تقريباً.

لسوء الحظ أن الراتبين معاً لن يكفيا لمصروف البيت ودفع الإيجار، وفي تلك الأثناء وبينما كان الواقع مريراً في نظر الآخرين، إلا أنني كنت وعائلتي على يقين تام أن الحال لن يدوم طويلاً، وبإصرار متواصل تمكنا من استقدام شقيقنا الآخر من العراق، فالتم شمل العائلة من جديد على أرض الإمارات.. وفي فترة قصيرة جداً حظيت أنا وأشقائي بفرص عمل أفضل فأمسينا في وضع مادي واجتماعي مستقر إلى أبعد حد.

الشاهد في الحكاية أننا قدمنا إلى الإمارات متسلحين بالثقة والإيمان بالمولى عز وجل، وفي المقابل حظينا بفرص عمل لم تكن بالحسبان؛ وبها تم جمع شمل العائلة.. وفي النهاية يبقى الأمل أقوى من كافة أسباب العجز، وذلك ما تربينا عليه جميعاً حينما حرمتنا الظروف من وطن نتصوره في الخيال ولا نراه أو نلمسه واقعاً.

محمد زيادة