شيرين نشأت في الإمارات، حملت «عاصفتها» معها من نيويورك وبرلين والبندقية، وجاءت إلى مهرجان دبي السينمائي الدولي، لتعرض فيلمها الجدلي «نساء بلا رجال» ضمن مسابقة المهر الآسيوي الإفريقي للأفلام الروائية الطويلة.

أربع نسوة يعشن الانكسار والهزيمة وضياع الأحلام والعجز والتضحية، في لحظة تاريخية من تاريخ إيران في خمسينات القرن الماضي، رئيس الحكومة محمد مصدق يقود حركة وطنية في 1953 لمواجهة ما عرف آنذاك بالمؤامرات البريطانية والأميركية، بدعم من الشاه «الضعيف». القمع السياسي، اغتصاب الحرية، العذابات اليومية، هو طعم هذا العمل، الذي يتغلغل كالأسى إلى القلوب، بعيدا عن ضجيج الثوارت الكبرى ومظاهرات الوطنيين واليسار وأنصار الشاه المخلوع قبل عودته مرة أخرى.

النساء الأربع، يتكلمن قليلا، يعشن الخيبات، واحدة تلو الأخرى، ويشكلن رموزا تحمل الواقع والفانتازيا، إضافة إلى رؤية نشأت الآتية من باع طويل في مجال التجهيز الفني، حيث قضت أكثر من ثلاثة عقود من حياتها تحصد النجاح تلو الآخر في عروضات الفيديو الرقمي الفني، والصورة الفوتوغرافية الفنية. يعرف الجمهور الغربي جيدا المبدعة الإيرانية، التي حصدت جائزة البندقية الفضية لأحسن مخرج، عن فيلمها الأول المأخوذ عن رواية الكاتبة الإيرانية شهرنوش بارسيبور. الفيلم معالجة سينمائية للرواية التي تحمل الاسم نفسه، والتي سجنت الكاتبة مرتين بسببها، لتناولها موضوع العذرية في الكتاب المحظور نشره في بلدها مثله في ذلك مثل كل أعمالها.

ولذلك فهي تعيش في الخارج، كمخرجة الفيلم، وطاقمه الذي جرى البحث عنه في كامل أوروبا، حيث أن اشتراطات التمويل الألماني تقضي بأن يكون العاملون في الفيلم من حملة الجوازات الأوروبية، وكذلك تم، لأسباب لا تخفى عن أحد تصوير الفيلم في الدار البيضاء، كبديل عن إيران.

صورة ابداعية

«البيان» تمكنت من «سرقة» نشأت من جمهورها الغفير، من الإيرانيين والجنسيات الأخرى، الذي حاصرها بأسئلته وتهانيه بعد عرض الفيلم في المهرجان أول أمس، وحاورتها في عجالة عن التقنية والأفكار..

حول انتصار الفنان البصري وإثباته أنه قادر على دخول اللعبة السينمائية وقيامه بإخراج عمل مختلف، بصورة فنية، تقول: عملت لسنوات في التجهيز الفني، أحببت الصورة الإبداعية وأردت نقلها إلى شاشة السينما، أمضيت أكثر من 6 سنوات في العمل على مشروعي، وأنا مقتنعة تماما أن السينما أكثر الفنون ديمقراطية، وهي تواجه تسلط الأنواع الأخرى من الفنون.

أنت تشتري تذكرة بخيارك وتختار الفيلم الذي تريد أن تشاهده، وبوسعك أن تغادر الصالة احتجاجا، قبل أن ينتهي، لكن الفنون الأخرى، مثل الرسم والتجهيز، لا يعطيك هذا الهامش من الحرية. الحديث عن الحرية يجرنا مباشرة إلى الفيلم الذي تدور أحداثه عنها وفي فلكها.

لقد أهدت المخرجة في ختام عملها الفيلم إلى «مناضلي الثورة الخضراء»، أي الثوار في شوارع طهران في أحداث الصيف الماضي، وكأن تاريخ إيران في المائة سنة الأخيرة لم يغادر الصور ذاتها، من البحث عن الحرية ومواجهة التسلط، تقول: المرأة كانت ولا تزال تعاني في إيران، سواء في خمسينات القرن الماضي، وحتى اليوم.

إنها الضحية والمقاومة في آن. أنا لست متحزبة إلى النساء، أي نسويه، ولم أشأ صناعة فيلم ضد الرجال، لكنه فيلم ضد التسلط وربما اقتحام السلطة لعالم الناس الهانئ. من هنا كان رمز الحديقة التي تشبه الجنة، حيث اجتمعت بطلاتك المكسورات في نهاية الفيلم، قبل أن يقتحم العسكر (السلطة) هذه الجنة ويدمر حياتهن؟ نسألها، فتجيب:» بالتأكيد، الحديقة ترمز إلى الملجأ، لكنه ليس نهائيا.

كما أن البواب الذي يفتح لهن الباب، هو بمثابة الملاك الحارس. لكنهن يخرجن من هذا البيت ويعدن من حيث أتين، نرى بطلتك تعود في النهاية للمشي على ذات الطريق الذي أتت منه؟ تقول:لأن رحلة المرأة الإيرانية المشوبة بالعذاب لم تنته بعد، وصراعها من اجل الحرية مستمر.

تمضي «فخري» و«منيس» و«فايزة» و«زارين» في خوض تجاربهن، على هامش تلك اللحظة الحرجة في تاريخ إيران (هل توقف هذا التاريخ يوما عن أن يكون حرجا بل ومحرجا)، وتستخدمهن نشأت، بالاعتماد على توليف الرواية الجدلية، كشخصيات واقعية تارة ورمزية طورا آخرا: منيس التي تهتم بالسياسة واندفعت للعمل مع الوطنيين، هي رمز المرأة في عاطفتها الجياشة تجاه الوطن، وتجاه الرجل أيضا، فهي، حين ترمي المواجهة بين الوطنيين والسلطة بعسكري مدمي بين ذراعيها، تحتضنه وتبكي. هي تبكي أيضا لقتل السلطة.

غريزة الحياة تحركها، ودماء الوطنيين، كما رجال السلطة، تؤثر فيها. هذا ما كان يحصل في تظاهرات الثورة الخضراء. الجنود، حين كانوا يسقطون جرحى الشارع، كانت النساء من المتظاهرات يركضن إليهم لتضميد الجراح. الصراع صراع أفكار وليس بين أبناء البلد الواحد.

اراء مغايرة

أبناء البلد الواحد أجمعوا على أهمية الفيلم. البعض، القليل، كان له آراء مغايرة: «هذا فيلم ليس عن إيران، إيران غير متواجدة. الأمكنة في بلد آخر»، صرخ أحد المشاهدين في الصالة. «أرجوك، لا تبالغ. لا يمكنك بأي حال من الأحوال أن تصور فيلما بهذه الحساسية في طهران اليوم، اعذرونا إن كانت الدار البيضاء لا تشبه إيران، لكننا مكبلون». هل كل من عمل في هذا الفيلم ممنوع من دخول إيران اليوم؟

ليس بالضرورة، تكتفي المخرجة بهذه الإجابة المقتضبة، مظهرة رغبة بعدم الخوض في هذا المجال، كذلك يتكرر الأمر حين سؤالها عن رأي المخرجين الإيرانيين المخضرمين حول تجربتها السينمائية: «لم اسمع أي رد فعل منهم بعد، لكنني مقتنعة بحق الانتقاد لدى الجميع. هذا ما نفعله بالضبط، في واقع الأمر، حين ندور بأفلامنا من مهرجان إلى آخر، من مدينة إلى أخرى ومن جمهور إلى آخر. نحن نطلب النقد، نستجديه في بعض المرات، هذا ضروري لأي مبدع.

هل سيكون «نساء بلا رجال» تجربتها المغامرة السينمائية الوحيدة، وستعود إلى قواعدها الفنية الأخرى مثل التصوير الإبداعي؟ «بالتأكيد لا، اعمل على فيلمي التالي، لكنني أتمنى ألا يستغرق انجازه كل هذا الوقت». فيلم آخر لمخرجة جدلية. هذا بالتأكيد خبر يستحق الحفاوة.

إبراهيم توتونجي