تخرج من المدرسة بشهادة الثانوية التجارية، قبل ذلك وهو في سن مبكرة، تعمق في تفاصيل كثيرة من السيارات والدراجات النارية، فبدأت ميوله تتجه نحو الأعمال الصناعية أكثر، كيف لا وهو الذي كان يرفض فكرة الذهاب إلى الميكانيكي لتصليح دراجته النارية، فحينما كان عمره 17 عاماً تمكن من تصليح عطل في ماكينة الدراجة النارية..
وهكذا واصل مشواره الطموح والمدفون وسط كومة من السيارات والدراجات النارية والهوائية التي كان يجلبها له والده في فترتي المراهقة والشباب.مضت سنوات قليلة، وحالياً يعمل محمد الفلاسي في دائرة الجمارك بقسم مطار دبي، وفي الوقت نفسه يدير أول مصنع إماراتي وخليجي وعربي لصناعة السيارات الترفيهية الخاصة بالصغار يحمل اسم «جميرا»، وفي حدود سنتين باع ما يزيد على 500 سيارة في دول الخليج العربي والاتحاد السوفيتي سابقاً.. إنها سيارات عادية مكتملة الأركان، تتخذ أشكالاً متعددة وتبدو شهية ومحفزة للقيادة.. بالتأكيد تلك السيارات تحمل مسمى «صنع في الإمارات»، وهو الحلم الذي راود محمد الفلاسي منذ كان صغيراً، وتوصل إليه بعد معاناة لا يطوق عليها الكثيرون، وتلك الجملة لا تزال محل قلق بالنسبة لمحمد الذي يحرص على أن يظل مالكها بحكم الإرادة والطموح ووفاءً منه للإمارات.
فكرة المصنع بداية الحلم لمعت من البرازيل، وقد كان محمد في رحلة مع أصدقائه، حيث أعجبته سيارة صغيرة سأل عن مصدرها وتوصل إلى المصنعين ، وحينما عاد إلى الإمارات بدأ بجمع مبلغ من المال لشراء عدداً من تلك السيارات، وتمكن من الحصول على 50 ألف درهم، وهو ما أهله لجلب «كونتينر» محمل بـ 14 من تلك السيارات الصغيرة، أخذها إلى بيته ووضع إعلان لبيعها، فوجد إقبالاً لافتاً على شرائها وذلك على الرغم من ضعف أدائها وعدم وجود قطع غيار لها، وهنا اخذ يفكر في حل آخر يلبي طموحه الصناعي ويحقق رغبات الزبائن.. فجاء القرار أن يخوض تجربة صناعة تلك السيارات في الإمارات.
استكمالاً للحلم الذي أضحى حقيقة لامعة، حمل محمد صورة إحدى السيارات وسافر بها إلى الفلبين باحثاً عن عمالة يمكنها التعاطي مع فكرته، ثم سافر إلى الصين وأمضى فيها ثلاثة أشهر متنقلاً بين مصنع وآخر للاستفادة من قطع الغيار وتحديداً الماكينة ومستلزمات السيارة وبعض الإكسسوارات، وأخيراً عاد إلى الإمارات وبدا الأمر أكثر جدياً في أن يفتتح المصنع الذي راوده على شكل حلم منذ كان شاباً.
دعم عائلي
وجد محمد دعماً لا محدوداً من والده وعائلته التي ساندته في تحمّل المصاريف اللازمة لخوض تلك التجربة الطموحة، كانت الإمكانيات في حدود غير منطقية، إلا أن الإرادة بدت دافعه الأكبر للمواصلة في تلك المهمة.. واستقر الرأي على فتح ورشة صناعية في منطقة القوز في دبي، باشر محمد أعمال التصنيع مع فريق عمل مكون من عشرين عاملاً وفنياً، وبدأت أولى خطوات التصنيع في العام 2005.
وفي المقابل ظل الفشل حليفه لعامين متواصلين، قبل أن يستعيد الثقة ويبدأ في ترميم خسارته المحدودة، حيث أنه تمكن في البداية من توفير قالبين للسيارات الترفيهية، وبدأ في إنتاج بعض السيارات التي كانت تفشل لسبب ضعف الماكينة في تحمل أعباء السيارة، لاسيما في أجواء دول الخليج حيث الصحراء والرمال، مع العلم أن جمهوره كان ولا يزال في المنطقة الخليجية والعربية.
في العام 2007 بدأ محمد يستعيد الثقة الصناعية، وتمكن من تصنيع سيارات ناجحة لفتت أنظار الكثيرين في الإمارات والدول الخليجية الأخرى، وبدأ أولى عمليات التصدير إلى السعودية وقطر، ثم الكويت والبحرين وعمان، ثم روسيا وكازاخستان وأذربيجان، ناهيك عن البيع في الإمارات، وفي غضون عامين متتابعين تمكن من بيع 500 سيارة، وهو ينتج حالياً ما يقارب 20 سيارة في الشهر الواحد، وقد تألق في نماذج وقوالب لافتة، ناهيك عن متطلبات الأمن والسلامة التي تقارب الـ 100% في مختلف سياراته التي يبيعها وتلقى قبولاً لدى الزبون أي كان، خاصة وأن الأسعار بدأت من 8 آلاف درهم للسيارة الواحدة، وهي الآن لا تتجاوز الـ 20 ألف لأفضلها من حيث المواصفات.
صناعة إماراتية
ويؤكد محمد الفلاسي أن تصنيع السيارات التي يملكها بفكر طموح، يكون بنسبة 50% في الإمارات، وفي الخارج يستكمل النسبة المتبقية، وعلى الرغم من أنه لم يتمكن حتى الآن من نيل رخصة صناعية للمصنع الذي يتولى أمره، وقد منحته الجهات المسؤولة في الدولة رخصة تجميع سيارات، إلا أنه يؤمن واقعياً أنه يصنع السيارات ولا يجمعها، لأنه فكرة مبتكرة تستند على أدوات عمل كثيرة يمكن مشاهدته عن كثب.
أولى عمليات التصنيع تبدأ في اختيار الشكل المحدد للسيارة، ومن ثم يأتي دور تصميم القالب الذي يتشكل بشراكة جهود فنية وإدارية في المصنع الصغير، والقالب الجديد وحده يحتاج إلى أكثر من ثلاثة شهور عمل، بكلفة تصل إلى 40 ألف درهم للخروج بشكل نهائي يليق بالسيارة ويمكن له أن يستحوذ على رغبات الزبائن، وبحكم عدم وجود ماكينات ضخمة وآلية، يواصل الفنيون في المصنع عملهم بطريقة يدوية، التي لا تقل في الكفاءة والجودة والقوة والسلامة عن الأعمال الآلية، حيث يبدأ الفنيون في صب «بودي» السيارة على القالب وإنتاج سيارات مختلفة الألوان في مرحلة الصبغ للقالب.
وفي ذات الوقت يبدأ خط إنتاج آخر بتركيب «الشاصي» الذي يتم تصنيع أدوات الإطار الخاصة به في الصين، بحكم التوفير في المصاريف كما يؤكد الفلاسي، أما الماكينة وناقل الحركة فيتم شراؤهما من مصانع أخرى في الخارج أسوة بما تفعله كبرى المصانع العالمية، وفي الوقت نفسه تكون الكراسي والكماليات الأخرى جاهزة من المورد، وتلك الأدوات البسيطة في الصنع يمكن شراؤها من أي مكان، وهي لا تتوفر في الإمارات بحكم أنها بلد غير صناعي كما يوضح الفلاسي.
معاناة وتمويل
محمد الذي تحدث مطولاً عن فكرة مشروع تبدو شيقة ولافتة، أكد أنه عانى كثيراً إلى أن وصل لمرحلة صناعة السيارة الأولى، لأن ذلك كله وحتى اللحظة يسير بتمويل ذاتي وهو يدفع للمصنع من جيبه الخاص دون وجود جهات تدعم عمله ليرقى به إلى مراتب أفضل.
وأكد محمد الفلاسي أنه يصنع سيارة لفئة عمرية حساسة وهي الأطفال من سن 6 إلى 13 سنة، بشعار «قيادة آمنة وممتعة للأطفال».
وهو يبيع بكميات معقولة خارج الدولة، لكنه بدا حائراً إلى الحد الذي يمكن أن يعيق تقدم الكثيرون، فهو يحتاج إلى رأس مال قليل، يسنده في توسيع سكة الإنتاج وشراء بعد الماكينات ليبقى المنتج إماراتياً بامتياز، لا سيما وهو يرتجل بأفكاره منفرداً ويصنع بها علامة تجارية مهمة تضيف للإمارات أولاً وله ثانياً الكثير من معالم الشهرة والنجاح، خاصة وأن المشروع حظي بإعجاب لا ينتهي من كل وقف على بابه وشاهد بأم عينه كيف يتحول الحلم إلى حقيقة، فيصبح المستحيل ممكناً.
منتج عربي يضاهي أجود السيارات عالمياً
أمضى محمد الفلاسي عامي 2005 و2006 يتنقل في تجارب صناعية مختلفة ومكلفة مادية، وعلى ما يبدو فهي لم تحظَ بنجاح يأمله، وفي العام 2007 بدأت أولى ملامح النجاح، وسارت أفكاره المصنعة على شكل سيارة ممتعة ومثيرة وآمنة للصغار تلقى رواجاً في دول الخليج المختلفة، وصار الزبائن يأتون إلى مصنعه بهدف شراء المزيد من تلك السيارات، وإلى الآن بقيت المشكلة نسبياً في نظرة الزبون إلى الصناعة العربية مقابل الأجنبية.
وهو يصر على أنه يريد كسر هذا الواقع وإجبار السوق على التعامل بثقة مع صناعته القوية والآمنة بمواصفات عالمية، خاصة وأنه باع منها إلى الآن أكثر من 500 سيارة، وبفضل الله تعالى لم يأته زبون يعيب في المنتج من حيث نسبة الأمان على الأطفال.
أما جودة المنتج فهي تتفاوت بحسب الإمكانيات والسعر، وهو على ثقة تامة أنه قادر على إيجاد المنتج العربي الذي يضاهي في صلابته أفضل الصناعات العالمية، لكن ذلك يتطلب زيادة معقولة في السعر بحكم أن المواصفات ستكون أفضل، ونتيجة لمحدودية التمويل يبقى محمد مضطراً لتلبية رغبات الزبائن في الحصول على سيارات زهيدة الثمن وقوية الأداء، حيث بدأ في بيع منتجه بـ 8 آلاف درهم للسيارة الواحدة، وهو على يقين أنه يسير على خطا ثابتة لتعزيز حلم «صنع في الإمارات».
عقود توكيل في الدول الخليجية قريباً
يصنع محمد سيارات ترفيهية قادرة على مجاراة البر والصحراء في أجواء مناخية صعبة، وتلك السيارات تصلح للقيادة في مناطق محدودة، في الصحراء والمزارع والقصور والمساحات المفتوحة، وذلك المنتج موجه حالياً لأناس مقتدرين يبحثون عن الجودة، لكن المشكلة التي تواجهه منذ البداية تتحدد في الضائقة المالية التي تعانده في الوصول إلى ما يصبو إليه، فهو صرف إلى الآن أكثر من 2 مليون درهم، ذهبت في دروب مختلفة منها جلب بضاعة وتأسيس وخسارة في بداية التطبيق.
وهو بحاجة إلى نفس هذا المبلغ تقريباً حتى يتمكن من الوصول إلى مسمى مصنع إماراتي وطني ينتج سيارات وتُصدر إلى دول العالم المختلفة، وبحكم أنه لم يتمكن من الحصول على دعم وتمويل من أي جهة وحتى من البنوك، وذلك بعد أن طرق كل الأبواب الممكنة، فقد أصر من جديد على الوقوف بثقة المواصلة والثبات لاستكمال المشروع وزيادة خط الإنتاج شيئاً فشيئاً، حتى يتمكن من البيع طوال العام وليس في مواسم محددة، خاصة وأنه بصدد توقيع عقود توكيل في بعض دول الخليج للتسويق لمنتجه، ناهيك عن مشاركته في معارض أخرى منها دبي الدولي للسيارات.
. أما الجملة التي تحزنه كثيراً وهي حينما يخبره الزبون أنه «أول مرة يسمع عنه»، وذلك من وجهة نظره واقع مجحف بحق صناعة وطنية بهذا الحجم.
مشروع تعليمي هادف وأفكار مؤجلة
مشروع المصنع الإماراتي للسيارات بكل تأكيد يجب أن يبقى أكبر من واقعه، وهو فكر صناعي يسير نحو مستقبل مشرق، لذلك فإن محمد الفلاسي صاحب المبادرة يصر على منحه الوقت الأكبر من حياته، حرصاً منه على مواصلة إنتاج سيارة جميلة ولافتة بشخصية قابلة للبيع في مختلف الظروف.
يقول محمد: أنا أصنع سيارات، ومن يستطع صنع هذه السيارة يمكن أن يصنع غداً سيارة أكبر وأكثر جودة، وهو مشروع وطني لا بد أن يجد المناخ اللازم للنجاح والمواصلة، والأمر يحتاج إلى دعم واهتمام ومساندة مادية ومعنوية.
ويضيف أن هذه السيارة تشتمل على فوائد أخرى، فهي تعمل بنظام السيارة الكبيرة والعادية، وهي بالتأكيد تصلح لتعليم القيادة للصغار، وتربيتهم على أسس القيادة الملتزمة في سن مبكرة، وقد يكون لوزارة التربية والتعليم مشروع تعليمي هادف، وذلك بالتأكيد يساعد على إيجاد جيل من الشباب ملتزم بقوانين السير، لأن المعرفة في الصغر كالنقش على الحجر.
محمد ينتظر الفرصة السانحة حتى يطبق أفكار جديدة، منها صناعة سيارة يتحكم فيها الكمبيوتر، وسيارة تعمل على بطارية وطاقة شمسية، ومشروع سيارات ترفيهية للمعاقين، وخط إنتاج جديد يبدع سيارات ترفيهية أنيقة للكبار.. كل ذلك سيكون جاهزاً في حال توفرت السيولة اللازمة للنهوض بالمشروع.
أحلام الطفولة ارتقت إلى مصنع
محمد الفلاسي، شاب إماراتي يعمل موظفاً حكومياً في دبي، أراد لنفسه موقعاً آخر يفوق الوظيفة، فخرج بأفكاره إلى ما يبدو أنه مستحيل لدى البعض، فحينما كان صغيراً تعامل مع الكثير من الدراجات الهوائية والنارية وقد عُرف أنه صاحب هواية مبدعة، وفي تلك الأثناء «سنوات الطفولة» ظل يقلّب في رأسه أفكاراً كثيرة حول السيارات التي لا تليق إلا بالكبار.
وعلى ما يبدو كان يبطن في رأسه مشروعاً بهذا الحجم، وهو سيارة آمنة وممتعة للأطفال، بحكم إلحاح طفولي صامت تفجر على هيئة إبداعية وصناعية حينما سنحت له ظروف الواقع، فالأطفال وهم الشريحة الأكبر في العالم نسبياً، يحلمون بقيادة سيارة توفر لهم المتعة والترفيه والأمان الحقيقي أثناء القيادة.
دبي ـ عنان كتانة


