كانت عقارب الساعة تقترب من منتصف الليل، الهواء البارد خرج من قمقم النهار إلى غسق الليل يلفح كل المنتظرين على محطة الحافلات، إذ لم تكن أماكن انتظار الركاب المكيفة قد أعدت بعد، عشرات من البشر المنهكين المتعبين يقفون في انتظار الحافلة، يحمل بعضهم في يده هموم يومه أو أحلام غده أو هدية لأبنائه أو يحمل الفراغ ويفكر في الغد القريب.

استوقفني مشهد إنساني، أعجز عن وصفه.. ضمن الواقفين في انتظار الحافلة وقف أب يحتضن طفلتيه ليقيهم برد الليل، وبجواره الأم تبحث في الأفق عن أية وسيلة مواصلات تنقلهم إلى المنزل في هذا التوقيت المتأخر دون جدوى.

علمتني فلسفة التطوع ألا أفكر في الأمر، لأن النية متوفرة مسبقاً وملخصها تقديم العون لكل من يحتاجه وقتما يحتاجه، في أي وقت وتحت أي ظرف.. وأعرف أيضاً أن التردد قد يؤدي إلى التراجع، والتفكير في العواقب المنطقية قد يترتب عليه الانسحاب من الموقع دون تقديم المعونة.

عندما عرفت وجهة هذه الأسرة عرضت اصطحابها بسيارتي حيث تطابق وجهتي، وشرحت للرجل أنني أفعل هذا تطوعاً ودون مقابل، لم تتحرك سيارتي من الموقع لأن سيارة خاصة اعترضت طريقها بالوقوف أمامها عرضياً، عرفني قائدها بنفسه قائلاً أنني أخالف قانون منع نقل الركاب، أجبته أنه أخطأ الفهم لأنني أنقل هذه الأسرة متطوعاً لأن بصحبتهم صغار قسا عليهم البرد، وسارع رب الأسرة إلى شرح الموقف مؤكداً أن عرضي كان واضحاً من البداية، وهو أنني أتطوع بالتوصيل المجاني تقديراً للظروف.

مرت دقائق من الجدل لم نخرج منها بنتيجة، أصر المفتش على تحرير المخالفة رغم كل التأكيدات على وجود سوء فهم، ورغم كل الظواهر التي تشير إلى أنها حالة إنسانية وليست صفقة تجارية، ورغم طلبي المتكرر من المفتش أن يستشير رؤساءه في الأمر لأنهم بالتأكيد أكثر خبرة ودراية، ورغم إبرازي هويتي الصحفية وبطاقة جمعية متطوعي الإمارات التي أتشرف بعضويتها، رغم كل ما سبق أصر على تحرير المخالفة، وقبلت على أن أتقدم في اليوم التالي بخطاب إلى الجهة المختصة أطلب تحقيقاً محايداً، لا من باب تفادي سداد الغرامة المالية (التي تبلغ ألفا درهم بالتمام والكمال) ولكن من باب رد الحق لأصحابه بعدما شعرت بالصدمة والإحباط وخيبة الأمل.

شددت الهمة في صباح اليوم التالي وتقدمت بخطاب إلى جهة الاختصاص، شرحت فيها ظروف الواقعة وقدمت ما يثبت سلامة موقفي وما يفيد استعداد رب الأسرة للشهادة إظهاراً للحق.

انتظرت رداً منذ هذا الوقت إلى الآن ولم يصل، عامان بالتمام والكمال لا حس ولا خبر، ضاع الموضوع في طي النسيان، ولم يتقدم أحد بتأييد أو معارضة.

أذكر ذلك بمناسبة مقابلة صحفية جمعتني بأحد أقطاب التطوع في الإمارات وهو مؤسس جمعية متطوعي الإمارات وغيرها من جمعيات التطوع في الدولة، والذي علق على هذه الواقعة بابتسامة أعقبها بعبارة لخصت الأسباب والنتائج.. قال: «مجتمعنا لا تزال تنقصه ثقافة التطوع».

أيمن حجازي