«إكرام الميت دفنه» .. التشريع الذي يتفق عليه الجميع عربيا في تنظيم علاقاتنا الطبية، فالموت قضاء وقدر، وهو واحد مهما تعددت الأسباب. هذه الثقافة الجمعية التي تهيل التراب على الجثة قبل إهانتها بالتشريح، كما هوالاعتقاد السائد، لا تعرف أنها تدفن مع الجثة ملفات قد تكون غاية في الأهمية حول أسباب الوفاة والمسؤول عنها، بل وتدفن معها مسؤولية مجتمعية أكبر حول تقنين العلاقات الطبية والمسؤوليات ضمن هذه العلاقة التي تشمل مؤسسات وكوادر وأفرادا.

وغياب التشريع قد لا يكون وحده سببا في ذلك، وإنما يمتد الأمر إلى التطبيق، وأكثر من ذلك ضرورة الوعي بهذا التشريع، ومعرفة الحقوق والواجبات ضمن هذه المنظومة، بل إن غياب الوعي ذاته قد يكون هو في الأساس سببا في غياب التشريع غياب التشريعات الطبية .. غياب وضعها حيز التنفيذ أو التطبيق الصحيح لها .. وغياب الوعي بها.. مشكلة حقيقية لا تتوقف خطورتها عند الأخطاء الطبية فقط، وانما يطال أمورا أكبر بكثير من الموت بخطأ طبي، واذا كان هناك ما هو أكبر من الموت فهو المفاجآت التي تكشف عنها سلسلة تحقيقات (البيان )الاستقصائية.

وإذا كانت البداية فيما يتعلق بالمسؤولية الطبية فان أول ما يفرض نفسه هو غياب القانون الذي يعتبر طامة كبرى لأنه بكل بساطة اعتراف صريح بعدم تجريم الاهمال والتقصير وتعريض حياة الآخرين للخطر من خلال ممارسة مهنة الطب من دون معرفة أو إتقان، ويعتمد المستشار القانوني في مكتب كلداري للمحاماة حسين دمرداش حسن على قاعدة (أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني)ليفضح ما يتسبب به الفراغ التشريعي من شلل لحراك الجهات المعنية بالصحة العامة في بعض الدول العربية على الرغم من حجم المخالفات التي تضر بالمجتمع صحياً.

غياب الاحصاءات

والغياب في العالم العربي على ما يبدو يطال كل شيء وليس فقط التشريعات الطبية، فغياب الاحصاءات في هذا المجال هو مصيبة أخرى تفاقم المشكلة إلى حد الكارثة، الأمر الذي يجعل اللجوء إلى المقارنة أمرا مشروعا.

وللمقارنة، فإن دولة بحجم الولايات المتحدة الأميركية وامكانياتها الطبية، تعلن بشفافية أن نحو 3% من المرضى يتعرضون لبعض الأخطاء الطبية، وأن 225 ألف وفاة تحدث في السنة بسبب الأخطاء أو الإهمال الطبي الذي يمكن تفاديه. ولا تجد إحدى المؤسسات الطبية الأميركية حرجا بنشر احصائية مفادها أن أهم الأخطاء الطبية تتعلق بأخطاء في العلاج وهذا يسبب الضرر لنحو 5,1 مليون شخص كل عام وهو عدد قابل للزيادة، وفق ما تؤكده هذه المؤسسة.

أما في العالم العربي فنحن لا نسمع إلا عن بعض الحالات التي يتجرأ الاعلام على نشرها، او تلك التي يختلف فيها مفهوم أصحاب الميت حول طريقة إكرامه.الدكتورة رباح شوقي من كلية الطب في جامعة عين شمس المصرية تعلن أسفها الشديد على ذلك، فكل ما هو متوفر من احصاءات عربيا على الرغم من ملاحظة الزيادة في الأخطاء الطبية، احصائية تشير إلى أن 50% من هذه الأخطاء يتسبب فيها أطباء الجراحة و33% تنتج عن باقي التخصصات.

وفي الحقيقة لا يمكن الاعتماد على بعض الاحصاءات الرسمية إن وجدت، لأنها بالطبع ستكون دفاعية في المقام الأول، كما أن تفاخر بعض المصادر بأن نسب الخطأ في بعض دولنا محدودة جدا وهي تتحدث عن رقم لا يتجاوز 65 حالة، كان يمكن أن نصفق له اجلالا في ظل وجود تشريعات ترعى الحقوق ووعي بها، أما عندما تقارن هذه المصادر ذاتها خلال تفاخرها مع الولايات المتحدة الأميركية وهي تذكر أنها سجلت أكثر من مليون حالة خطأ طبي، فان ذلك يدعونا إلى التصفيق لهذه الدولة التي يدفعها حفظ الحقوق للكشف بشفافية عن هذه الأرقام على الرغم من السمعة الطبية التي تتمتع بها.

ووفق ما يؤكد عليه الدكتور ابراهيم كلداري استاذ الامراض الجلدية بكلية طب جامعة الإمارات فإن كل عيادة او مركز او مستشفى في الولايات المتحدة الاميركية هناك في صالة الاستقبال يافطات توضح حقوق كل من المريض والطبيب وهناك تشديدات صارمة عليها حتى لا تكون مجرد ديكور كما هو الحال في بلداننا العربية .

بل نجد في مستشفياتنا العربية طريقة جديدة ابتكرها بعض الأطباء فالواحد منهم لا يكلف نفسه عناء القيام من على الكرسي وربما لا يعتدل في جلسته ويسأل المريض عن شكواه ودون فحص أو حتى النظر إلى المريض يقوم بتشخيص المرض بفضل العلم الغزير والموهبة الخارقة التي يتمتع بها فلا حاجة عنده لاستخدام وسائل التشخيص القديمة أو الحديثة فعنده ما يكفيه من العلم والخبرة لتشخيص الأمراض عن بعد مثل أقمار الاستشعار عن بعد تماماً، وكلام الدكتور كلداري هنا ليس لمجرد السخرية فهو واقع الحال كما يؤكد.

وفي الإمارات، على سبيل المثال لا الحصر، كانت نسبة الأخطاء الطبية حسب قراءة الدكتور جاسم خلفان نائب رئيس جمعية الإمارات الطبية والأمين العام المساعد لاتحاد الأطباء العرب حتى صدور القانون الاتحادي رقم (10) لسنة 2008 في شأن المسؤولية الطبية، نسبة بسيطة وغير مقلقة.

وإضافة إلى أسباب عدة لزيادة ظهور الأخطاء الطبية الآن ومنها زيادة عدد السكان وزيادة المنشآت الصحية العامة والخاصة، يرجع الدكتور جاسم ذلك أيضا إلى صدور القانون الاتحادي للمسؤولية الطبية، ودخول شركات التأمين في العملية، وتطور المجتمع ومعرفة الناس بحقوقهم.

الحقوق والسمعة الطيبة

وهذه الأمور التي من المفترض أنها تحفظ الحقوق، لا تمس بسمعة الطب في أي بلد، كما يؤكد الدكتور مؤمن الحديدي مدير عام المركز الوطني للطب الشرعي في الأردن، فاعلان الولايات المتحدة عن تسجيل 100 ألف حالة وفاة نتيجة اخطاء طبية عام 1998، حسب تشديده، لم يمس بسمعة الطب هناك. وجاء تأييد المحامي الأردني الدكتور فياض القضاة لهذا التوجه معلَلا بأن الحديث عن المسؤولية الطبية في بلد مثل الأردن لا يمس الجسم الطبي الاردني بل الطبيب المسيء وحده.

ويضيف إليه الدكتور مؤمن الحديدي بأن الأطباء والمرضى على حد سواء بحاجة لقانون للمساءلة الطبية بسبب عدم وجود أصول إجراءات للتعامل مع الخطأ الطبي إضافة إلى عدم وجود تعريف للخبراء الطبيين او المصطلحات الطبية، وما تفرضه المخاطر الطبية اليومية والتقدم الطبي اليومي، وعلى الرغم أي قصور يشدد الحديدي، وهو يمثل الجانب الطبي، على ان وجود مثل هذا القانون يشكل اضافة لسمعة الطب في أي بلد لانه يعني ان هناك رصدا ومتابعة للاخطاء مما يساعد على ترميم الاضرار وتشجيع وضبط وتنظيم الابداع الطبي.

بل ويؤكد نقيب الأطباء الأردنيين الدكتور أحمد العرموطي ضرورة تحديث قوانين المساءلة الطبية بشكل دائم من أجل حفظ حقوق المريض والطبيب وتطوير مهنة الطب والقطاع الطبي، وتشجيع الأطباء على الاجتهاد العلمي والتقليل من الأخطاء الطبية وزيادة الحذر والانتباه عند الأطباء، لافتا الى ان التشريعات الطبية في الأردن تتضمن مواد كثيرة عن المسؤولية الطبية.

ويلفت العرموطي إلى جانب آخر مهم وهو قوانين النقابات مقترحا تعديل هذه القوانين وإضافة مواد جديدة اليها للتعامل مع موضوع الأخطاء والمساءلة الطبية ومن بينها تعريف الخطأ وأركان المسؤولية وشروط إثبات ارتكاب الطبيب للخطأ لان لهذه المهنة خصوصيتها.

وفي الإطار ذاته يأتي تأييد الدكتور ابراهيم كلداري في صالح الطبيب تماما كما هو في صالح المريض، فترك الأمور على ما هي عليه يكرس أكثر لحالة الخلط الموجودة أصلا بين الاخطاء الطبية والمضاعفات والتي هي أمر وارد الحدوث فى المهنة حتى لو اتخذ الطبيب كل الاحتياطات اللازمة وإن كان كفؤاً. وانتشار الأخطاء الطبية في العالم العربي بحاجة إلى وقفة، حسب رؤية الدكتور كلداري، والعمل على توعية الجماهير ومعرفة حقوق المرضى ومعرفة مسؤولية الطبيب المدنية والجنائية.

وبالمثل فإن غياب الوعي في التفريق بين الأخطاء والمضاعفات، يشابه عدم معرفة الناس، حسب الدكتورة رباح شوقي، بأن جراحات التجميل التي تبدو عمليات صغيرة تنطوي على نفس المخاطر الطبية الناجمة عن عملية كبرى كزراعة عضو من أعضاء الجسم.

وترى الدكتورة رباح كذلك بانه لا يجب تحميل الاطباء وزر كل ما يحدث، ومسؤولية الأخطاء الطبية لا تقع على عاتق الطبيب وحده بل تقع على الاطباء وجميع العاملين في المجال الطبي من هيئة التمريض ومسؤولي العلاج الطبيعي وأصحاب ومديري المستشفيات وغيرهم.

قوانين معطلة

مسألة الوعي بالقانون يركز عليها المستشار القانوني حسين دمرداش كثيرا فبعض الدول العربية سنت مثل هذه القوانين ومنها الإمارات التي يحدد قانونها الحقوق والواجبات. ويؤكد دمرداش وهو يصف المجتمعات العربية بالأمية القانونية، بأن الجهل بالقانون سيكون بالتأكيد معطلا له وكأنه غير موجود أصلا.

وهذا الجهل لا يمس فقط الفئات الأقل حظا بالتعليم وإنما قد يطال النخب المثقفة بل وحتى أصحاب المهنة أنفسهم، وما يبدأه دمرداش بالاشارة الى وجود قوانين منذ السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي بشأن أخلاقيات الطبيب والمريض، يوصله إلى أن يتحدى مستنكرا « إسأل طبيبا هل قرأ شيئاً عن هذا القانون الذي ينظم مهنته».

وأكثر من ذلك ما يكشف عنه الدكتور يوسف عبد الرازق أستاذ طب الآطفال في كلية طب جامعة الامارات ورئيس لجنة المسؤولية الطبية بأن التشريعات الصحية لا تدرس بشكل منهجي في كليات الطب على وجه العموم، وعلى سبيل المثال الأخلاقيات الطبية وأخلاقيات البحث العلمي تدرس على استحياء في بعض الجامعات، وهي من المساقات الخاصة بمادة الطب الشرعي التي لا تدرس أصلا في العديد من الجامعات.

ويذكر الدكتور عبد الرازق أن مادة اخلاقيات الطب تدرس في كلية الطب جامعة الإمارات منذ إنشائها و لكنها لا تشمل الجوانب التشريعية. وبدأت كلية الطب بالشارقة تدريس الطب الشرعي العام الحالي، وفي العين هناك توجه لتدريس بعض مباديء الطب الشرعي العملية مثل طريقة كتابة شهادة الوفاة وتقارير الجروح والإصابات لأهميتها القانونية الشرعية.

وحتى لا نعبر إلى طريق خاطيء نعود إلى دمرداش الذي يسارع ليستدرك على كل ذلك بأن (الجهل بالقانون لا يعد عذراً ينفي المسؤولية ويضيع الحقوق) .مسؤولية هذا الجهل لا يعلقها المستشار القانوني برقبة جهة واحدة فصاحب الحق هو الأولى بمعرفة حقه، ومن يشرع قانونا لا يشرعه ليبقى معطلا، ووسائل الإعلام كان الأحرى بها منذ زمن أن تتبنى قضية الفراغ التشريعي وكذلك تعريف الناس بالقانون إن وجد وبحقوقهم وواجباتهم.

مشاكل في التطبيق

وكما أن مسألة الوعي بالقانون غاية في الأهمية لتفعيله، فإن هذا التفعيل بحاجة ماسة إلى عناية فائقة في التتنفيذ وربما إلى إعادة مراجعة للقانون ذاته نصوصه بين الفينة والأخرى.ومشاكل التطبيق كثيرة يلفت المحامي الدكتور فياض القضاة إلى أولها والتي تكمن في التوقيف الذي ينص عليه القانون في حالة الايذاء حتى ولو كان بسيطا (او مدة عقوبته اقل من سنتين)، إذ يساق الأطباء إليه في معظم الأحيان نتيجة شكوى كيدية.

ويروي القضاة نقلا عن الطبيب الدكتور محمد شريم أن احد الأطباء أوقف 54 يوما ثم ثبتت براءته في حين ان طبيبا آخر استمر يعمل عاما ونصف بعد الشكوى وصدر قرار بايقافه عن العمل.هذا من جانب الأطباء أما من جانب المتضرر الذي قد يكون قد خسر حياته أو أصيب بعاهة تلازمه مدى الحياة فلا يكون له من كل اجراءات المساءلة إلا الحق بالمطالبة بالتعويض المدني جبراً للأضرار التي لحقته، وفي أغلب الأحيان يحتاج الأمر إلى وقت طويل قد يستغرق سنوات مما يضطر البعض إلى التخلي عن حقه.

وكما يشرح المستشار القانوني دمرداش فان تلك المطالبة بالتعويض تكون بإقامة دعوى مدنية أمام القضاء بعد أن تنتهي الدعوى الجزائية بإدانة الطبيب مرتكب الجرم ويصدر الحكم النهائي والبات بمعنى أن يكون الطبيب المتهم بالخطأ الطبي قد إستنفد جميع طرق الطعن العادية وغير العادية.

وإضافة الى تعدد درجات التقاضي، يتابع دمرداش التفصيل، فإن طول أمد التقاضي في البلاد العربية على الوجه العموم يكون لتراكم وازدحام أروقة المحاكم بالعديد من القضايا التي لا حصر لها. كما أن القضايا من نوع الأخطاء الطبية تطول التحقيقات الأولية فيها أمام النيابة العامة وأمام المحاكم لأن بحث موضوع القضية راجع إلى أمور فنية يكثر فيها الخلاف بين اللجان الطبية.

وبعد الحكم الجزائي هناك الدعوى المدنية بالتعويض ودرجات التقاضي المختلفة فيها كذلك، عدا عن مسلسل الازدحام من جديد. ويرى دمرداش أن يعمم ما جاء في القانون الإماراتي رقم 10 لسنة 2008 حول أحكام التأمين ضد الاخطاء الطبية الذي حمّل شركات التأمين تغطية التعويض عن الضرر الناجم.

كما يطرح فكرة تعميم التشريع المصري المتعلق بالأخطاء الناجمة عن حوادث المرور بإعطاء الحق للمتضرر بالتوجه إلى شركة التأمين لصرف قيمة التعويض مباشرة من دون الحاجة لأحكام قضائية.

قيد قانوني

وإشادة دمرداش بالقانون الإماراتي لم تمنعه من الاشارة إلى عقبة وضعها القانون حين إشترط عند رفع الدعوى بالتعويض ضد المستشفى الحكومي ضرورة الحصول على إذن رسمي مسبق وإذا أقيمت الدعوى بدون الحصول على هذا الإذن قضت المحكمة بعدم قبولها وهذا الشرط لا مبرر له ويقيد الدعوى المدنية من دون مبرر مطالبا بتدخل المشرع بنص يرفع هذا القيد.

وينظر الدكتور يوسف عبد الرازق إلى هذا الشأن من زاوية مختلفة قليلا فبعد أن يحمد الله على أن (لا أحد فوق القانون في بلادنا) يقول إنه يمكن لأي إنسان أن يرفع دعواه القانونية ضد أي منشأة صحية حكومية كانت أو خاصة، وما جاء في الفصل الثاني من القانون نص على تشكيل اللجنة العليا للمسؤولية الطبية من العديد من الجهات ذات الصلة بما فيها القطاع الحكومي والقطاع الخاص حتى تكون لجنة مستقلة في قراراتها.

وفي كل الأحوال فإن المراجعة الدائمة أمر صحي، وما نحمد الله عليه مع الدكتور عبد الرازق أننا قد بدأنا على الرغم من أن مشوارنا ما زال طويلا مشوارنا في الحلقة المقبلة نواصله مع التشريعات والاعلانات الطبية.

تقرير

تزايد ظهور الأخطاء واقع صحي وثمرة لوجود التشريع والوعي به

بدأت محاكم الدولة تشهد العديد من قضايا المطالبة بالتعويض عن الأضرار الواقعة نتيجة أخطاء طبية، وذلك بعد صدور قانون المسؤولية الطبية الذي جاء تشريعه مكرسا لحق الناس في معرفة حقوقهم قبل أن يكون حاميا لهذه الحقوق.

ويترافع مكتب كلداري ومشاركوه للمحاماة في العديد من هذه القضايا سواء في جانب المرضى أحيانا أو في جانب المؤسسات الصحية والأطباء أحينا أخرى، ويذكر القائمون على المكتب أن آخرها مباشرة التحقيق في قضيتين الأولى ضد مستشفى خاص والطبيب الذي يعمل فيه بخصوص خطئه في تثبيت براغي في مفصل شاب مما أدى إلى إصابته بعاهة مستديمة، والثانية ضد طبيبة متهمة في قتل خطأ توفيت المجني عليها أثناء الولادة بسبب نزيف حاد ورفع الرحم والعملية القيصرية.

والقضاء الإماراتي المشهود له بنزاهته وعدالته، لا يشجع الناس فحسب على المطالبة بحقوقهم من خلال اللجوء إليه، ولكنه أيضا من خلال أحكامه الرادعة يساهم إلى حد كبير في ضبط القطاع الطبي. واحد من هذه الأحكام الرادعة ما كان في حق طبيبة اوروبية مؤخرا تسببت باصابة وليدة بعاهات مستديمة، اضافة لإصابتها بتشنجات .

ومشاكل معوية تحول دون تمكنها من الرضاعة الطبيعية بسبب عملية ولادة خاطئة حيث تم حبس الطبيبة لمدة عام وتغريمها عشرة الاف درهم وكذلك تغريم المستشفى الخاص 50 ألف درهم لسماحه للطبيبة بالعمل دون ترخيص وتغريم مدير المستشفى 50 ألف درهم لسماحه للطبيبة بالعمل في المستشفى رغم أنها موقوفة عن العمل بسبب سحب ترخيصها لارتكابها أخطاء طبية سابقة.

تتأخر بعض الإجراءات في التحقيق أو في التقاضي، ولكن بالضرورة يكون هذا التأخير في صالح جميع الأطراف وفي صالح العدالة،ووفق ما يؤكد عليه الدكتور جاسم خلفان نائب رئيس جمعية الإمارات الطبية والأمين العام المساعد لاتحاد الأطباء العرب فان الأمور على الناس تيسرت بعد صدور القانون الاتحادي وتشكيل اللجنة العليا للمسؤولية الطبية، ثم أن كل طرف ينوب عنه محاميه الخاص وهو الذي يتابع القضية في المحكمة، معربا عن عدم اعتقاده بأن هناك أي تأخير للعدالة، ولكل خطأ ظروف تحكمه.

ويضيف « هناك من يتابع المحاكم حتى صدور الحكم، ولا يتنازل عن حقه»، وهذا بالطبع ما جاء به القانون من ايجابية حيث فتح الأبواب لكل متضرر للحصول على حقه. أما في حال أوقف طبيب ثم ثبتت براءته فيقول الدكتور جاسم إن هذه طبيعة التقاضي، فوقف الطبيب عن العمل وارد، وبعد صدور الحكم بإدانته تتم محاسبته، وإذا صدر ببراءته يرد له إعتباره، ويطالب بحقوقه.

باختصار «هذا هو القانون..». ويعبر الدكتور جاسم عن اعتقاده بأن تزايد ظهور الأخطاء الطبية التي كان أحد أسبابها وجود القانون ووعي الناس بحقوقهم، لا يمس بسمعة الجسم الطبي. وبدأ القانون الذي صدر العام الماضي يفرض واقعا صحيا على القطاع الطبي في الدولة حيث عرف أطراف العلاقة في هذا المجال كل بحقوقه وواجباته سواء المرضى أو الأطباء أو المؤسسات الصحية أو حتى شركات التأمين.

نظام أم قانون؟

تعتمد بعض الدول والجهات الصحية فيها على أنظمة بدل القوانين وفي تبيان الفرق بين الجانبين أوضح المستشار القانوني حسين دمرداش أنه فيالأصل لا تعارض ما بين النظام والقانون، ولكن الأهم في الموضوع أن أي مؤسسة حكومية أو خاصة يسير العمل فيها وفقاً لنظام تم وضعه لحسن سير العمل وأن النظام يتكون من مجموعة قواعد وأوامر ونواه يجب إتباعها داخل هذا القطاع أو ذاك.

وبذلك، كما يقول، يعتبر النظام مجموعة من القواعد منها ماهو آمر قاطع يترتب على مخالفته عقوبة قانونية جنائية أو إدارية وهذا لا يكون إلا بنص قانوني صادر من السلطة التشريعة في البلاد المنوط بها هذا الاختصاص.

أما إذا كان النظام عبارة عن تعليمات إدارية والذي لا يرتب على مخالفته أي جزاء جنائي أو إداري فهذا نظام غير آمر ، وهو نظام داخلي. أما النص القانوني فهو قاعدة قانونية عامة تخاطب المجتمع كله بأحكامها. ويشير دمراش إلى أن المجرم يظل بمنأى عن المحاكمة ما دام فعله لا يجرمه القانون حتى لو كان مخالفا للنظام.

تكلفة

أشار الدكتور جاسم خلفان نائب رئيس جمعية الإمارات الطبية الأمين العام المساعد لاتحاد الأطباء العرب إلى ضرر يقع على المجتمع بأسره نتيجة الأخطاء الطبية من خلال تأكيده على أن تكلفة إصلاح هذه الأخطاء تبلغ سبعة أضعاف تكلفة العلاج العادي مشددا في هذا الصدد على أن وجود التشريعات والقوانين تخدم الجميع وتلزم المقصر بتحمل مسؤوليته.

قانون المسؤولية الطبية الإماراتي يقطع الطريق أمام الاجتهادات السلبية

جاء قانون المسؤولية الطبية الذي صدر العام الماضي في الامارات ملبيا للطموحات في سد أي فراغ تشريعي في هذا المجال وبما يحمي حقوق جميع أطراف العلاقة دون استثناء. المادة الرابعة عشرة من القانون تعرف الخطأ الطبي (بالخطأ الذي يرجع إلى الجهل بأمور فنية يفترض في كل من يمارس المهنة الإلمام بها أو كان هذا الخطأ راجعاً إلى الإهمال أو عدم بذل العناية اللازمة)، وفي هذا قطع للطريق أمام أي اجتهادات قد تترك فوضى من الخلافات الفنية.

وليس ذلك فحسب، بل إن القانون وحفاظا على حماية حقوق الطرف الآخر وهو هنا الطبيب،

ينفي المسؤولية الطبية اذا كان الضرر قد وقع بسبب رفض المريض للعلاج أو عدم اتباعه للتعليمات الطبية الصادرة إليه من المسؤولين عن علاجه أو كان نتيجة لسبب خارجي أو بسبب فعل المريض نفسه واذا اتبع الطبيب أسلوباً طبياً معيناً في العلاج مخالفاً لغيره في ذات الاختصاص ما دام أسلوب العلاج الذي اتبعه متفقاً مع الأصول الطبية المتعارف عليها.

كما أن القانون انتبه إلى الفرق بين الأخطاء الطبية، وبين حدوث الآثار والمضاعفات الطبية المعروفة في مجال الممارسة الطبية والتي لا توجب بالتالي المسؤولية الطبية الواقعة عن الخطأ. ويزيد القانون على ذلك في رفع أي لبس حتى الاجراءات من خلال تفصيلها، وحسب المادة السادسة عشرة على سبيل المثال، فإن للنيابة العامة وللمحكمة المختصة أن تطلب من اللجنة ... تقريراً عن وجود الخطأ الطبي من عدمه مع بيان سببه والأضرار المترتبة عليه إن وجدت وعلاقة السببية بين الخطأ والضرر وأي أمور أخرى تراها الجهة الطالبة، وتبدي اللجنة الرأي الفني في جميع القضايا المحالة إليها من الجهة الطالبة والمتعلقة بمخاطر المهنة والخطأ الطبي.

بل إن انتباه المشرع إلى منع الخطأ قبل وقوعه جاء سابقا على التعامل مع الخطأ ونرى ذلك جليا في المادة السابعة من القانون التي نصت على »انه وفيما عدا الحالات الطارئة التي تستلزم التدخل الجراحي الفوري لإنقاذ حياة المريض أو الجنين عدم جواز إجراء العمليات الجراحية إلا بمراعاة أن يكون الطبيب الذي يجري الجراحة مؤهلاً لإجرائها، وأن تجري الجراحة في منشأة صحية مهيأة .وأن تجري الفحوصات والتحاليل المختبرية اللازمة والموافقة الكتابية من المريض إن كان كامل الأهلية أو من أحد أقاربه وذلك بعد تبصيره بالآثار والمضاعفات الطبية المحتملة التي قد تترتب على الجراحة ويعتبر أهلاً للموافقة كل من أتم ثمانية عشر عاما).

وإضافة إلى ذلك شدد القانون العقوبات في هذا المجال لمنع أي إهمال أو تقصير والتشجيع على الحذر والابداع الطبي والبحثي عند أهل المهنة. والدراسة المتأنية للقانون أثمرت حلولا ملحة لبعض المشاكل التي وقعت فيها تشريعات دول أخرى، ومنها على سبيل المثال لا الحصر مشكلة توقيف الأطباء إذ نصت المادة الثالثة والعشرون على انه (لا يجوز توقيف الأطباء أو حبسهم احتياطياً أثناء التحقيق في الوقائع المتعلقة بالخطأ الطبي، ومع ذلك يجوز توقيفهم أو حبسهم احتياطياً اذا اقتضت مصلحة التحقيق ذلك بناء على أمر النائب العام).

وفي مثال آخر يحمي حقوق المريض والطبيب معا، بل والمؤسسة الصحية كذلك، حظرت المادة الرابعة والعشرون مزاولة المهنة بالدولة دون التأمين ضد المسؤولية عن الأخطاء الطبية لدى احدى شركات التأمين المرخص لها في الدولة. وتتحمل المنشأة الصحية التي تستقبل طبيباً زائراً مسؤولية التعويض عن خطئه الطبي في مواجهة المتضرر.

كما ألزمت نصوص القانون صاحب المنشأة بالتأمين على مزاولي المهنة العاملين لديه عن مسؤولية الأخطاء الطبية، وأعطت شركات التأمين حق الحلول قانونياً محل المنشآت الصحية والأشخاص المؤمن عليهم في حقوقهم والتزاماتهم.

تشريعات موحدة

يشدد الدكتور ابراهيم كلداري على ضرورة وجود جهة متخصصة تنظر للتشريعات الصحية الاساسية الكبيرة بمعنى يجب ان يكون هناك جهة اتحادية تغطي جميع الامارات، وتكون مظلة مشرعة لكافة الجهات الصحية ولا بد من اعطاء دور قوي لوزارة الصحة، وهذا لا يتعارض مع خطط وبرامج الجهات الصحية الاخرى ولكن المعايير يجب ان تكون واحدة خاصة فيما يتعلق بالمعايير والتراخيص والوصفات الطبية.

ويعطي كلداري أمثلة على سلبيات غياب ذلك في بعض الوصفات التي تكتب في الامارات الشمالية ولا يعترف بها في ابوظبي، وبعض الاطباء الذين يتم حرمانهم من العمل في امارة ويلجأون للعمل في امارة اخرى، متسائلاً كيف اذا سيكون عليه الحال مع 22 دولة، أعتقد أنه يجب ان يكون هناك تنسيق اكبر بين الدول العربية فالطبيب الذي يحرم من ممارسة مهنة الطب في دولة بسبب تزوير شهاداته يجب ان يحرم من ممارسة الطب في كافة الدول العربية» .

حقوق المرضى

* الحصول على العناية الصحية المناسبة والمتوفرة في المرافق الطبية.

* المحافظة على احترام وكرامة المرضى في جميع الأوقات.

* التأكد من توفير المكان الآمن للمرضى وعائلاتهم داخل المرافق الطبية من أجل سلامتهم حسب الأنظمة والإجراءات المعمول بها في المرافق الطبية.

* المحافظة على أسرار وخصوصيات المرضى بما فيها عدم الطلب من المريض التحدث لأي شخص من غير الفريق المختص بتقديم الرعاية الصحية له.

* يحق للمريض رفض مقابلة أو التحدث مع أي شخص غير مشارك بشكل مباشر في الرعاية الصحية المقدمة له بما في ذلك الزوار.

* يحق فقط للمختصين بالرعاية الصحية المباشرة الإطلاع على ملفات المرضى وتفاصيل الحالة الصحية لهم.

* يحق للمريض أن يتم تقييمه وفحصه في الأماكن المخصصة لذلك بعيدا عن سمع وأنظار الآخرين «إن أمكن ذلك».

* يتم نقل المريض إلى غرفة أخرى إذا ما تعرض للمضايقات من قبل مرضى أو زوار آخرين في حالة سماح المرفق الطبي بمثل هذه الإجراءات وتوفر غرف أخرى.

* يعزل المريض عن المرضى الآخرين لأغراض وقائية أو أمنية إذا كان ذلك ضرورياً.

* يحق للمريض معرفة اسم الطبيب المعالج بالإضافة إلى أي شخص له دور في الرعاية الطبية المقدمة له.

* توفير الوسائل المناسبة للمرضى للاتصال بذويهم.

* توفير مترجمين من أجل التواصل ما بين المريض والفريق الطبي من غير المتحدثين باللغة العربية.

* يحق للمريض أو عائلته الحصول على شرح واف عن الحالة والإجراءات الطبية الخاصة بعلاجه بما في ذلك المضاعفات التي قد يتعرض لها المريض نتيجة للعلاج وفي حالة إن مثل هذه المعلومات قد تضر بصحة المريض إذا علم بها فيجب إيصالها لعائلة المريض فقط. وعند موافقة المريض أو عائلته على الإجراء الذي تم إيضاحه فيجب عليهم توقيع استمارة الإجراء الطبي حسب الأنظمة المتبعة.

* يحق للمريض أو عائلته رفض تلقي أي علاج لا يرغب فيه مع إيضاح ما قد يسببه ذلك من قبل الطبيب المعالج وعندما يكون هذا الرفض عائقا دون تقديم الرعاية الطبية المناسبة له تنهى علاقة المريض بالمرفق الطبي بموجب إشعار يبلغ به المريض أو ذويه، وقبل مغادرة المستشفى يجب على المريض أو عائلته توقيع نموذج رفض العلاج.

* يحق للمريض الحصول على الاستشارة من أي مختص بطبيعة مرضه في أي مرفق طبي آخر حسب رغبته وعلى نفقته الخاصة.

* يجب إعطاء المريض وعائلته الإرشادات والتوجيهات اللازمة للاستفادة من العلاج المقدم له طبقا للرعاية الصحية والإرشاد الوقائي كما يجب التقيد بإرشادات استخدام الأدوية و بنظام الحمية الغذائية إن وجد.

* يتم إبلاغ المريض أو عائلته بالتوجيهات والإرشادات اللازمة في حالة حاجته للنقل إلى مرفق طبي آخر لإكمال علاجه طبقا لإجراءات المرفق الطبي وأهلية العلاج.

* يعمل قسم علاقات المرضى وممثليه في المرافق الطبية بالشئون الصحية للحرس الوطني بتعريف المريض وعائلته بالقوانين والإجراءات المتبعة وكيفية تقديم المقترحات أو الشكاوى ومن ثم متابعتها لإبلاغهم بالإجراءات أو النتائج التي تم التوصل لها.

* إن تقديم المريض أو ولي أمره للشكاوى أو المقترحات أو الملاحظات لن يكون له تأثير سلبي على علاج المريض أو العناية الصحية المقدمة له.

تحقيق ـ عماد عبد الحميد