في لحظة ما.. يصبح لزاما علينا أن نواجه الحقيقة بقسوتها، هل أسلوب حياتنا وتفكيرنا وما نسعى للحفاظ عليه بجهد وإصرار حتى لو صاحبه إهدار للكرامة، هو الصواب والأمان، أم أن الأمان يأتي من نظرة أخلاقية شاملة ووعي كامل بما يحدث حولنا في البيت والشارع والمجتمع؟
مع قسوة السؤال تصبح الإجابة صعبة، ويأتي فيلم المخرجة كاملة أبو ذكري «واحد صفر» كمحاولة لتبسيط السؤال والإجابة، وإذا كانت الأفلام تصنع شهادات توثق للتاريخ، فإن هذا الفيلم ربما يكون المرجع المصور الأهم بعد خمسين عاماً للتأريخ لواقع المجتمع المصري في هذه الفترة، فهو يحلل شرائح المجتمع على اختلافها دون أي صراخ أو حوارات زاعقة، ويرصد ببساطة حالة القهر والشعور بانعدام الكرامة لدى المواطن في مصر أياً كانت الفئة الاجتماعية التي ينتمي إليها.
مسابقة المهر: الفيلم يشارك في مسابقة المهر العربي لمهرجان دبي السينمائي في دورته السادسة، بعد مشاركته في أكثر من مهرجان دولي وعلى رأسها مهرجان فينسيا الذي عرض ضمن تظاهرته «آفاق» وهي مخصصة للسينما الجديدة في العالم، ويعرض مساء اليوم في العاشرة والنصف على مسرح سوق مدينة جميرا.وخلال فترة عرض الفيلم الأولى بالقاهرة، شاءت لي الظروف مشاهدته، وكان من المهم رؤية عمل أجمع النقاد على أنه يعيدنا إلى كلاسيكيات السينما المصرية، بخلاف متابعتي لكل أعمال كاملة أبو ذكري منذ زيارتها إلي دبي في عام 2004، حيث عرض فيلمها القصير «نظرة إلى السماء» في احتفالية خاصة بسينما المرأة أعددتها مع مسعود أمر الله المدير الفني لمهرجان دبي السينمائي.
أسلوب متفرد: كاملة أبو ذكري تصنع في هذا الفيلم ولأول مرة أسلوبها الخاص، ففي أفلامها السابقة «ملك وكتابة» و«عن العشق والهوى» و«سنة أولى نصب»، كان من الممكن أن تدرك بسهولة أنها أفلام صنعتها مخرجة لا تزال تبحث لنفسها عن أسلوب في التصوير والإضاءة وحركة الممثلين، وبمشاهدة واحدة لهذا الفيلم ستدرك فوراً أنها وجدت بصمتها التي تجعلها مختلفة عن الآخرين.
«واحد صفر» هو العمل الأول لكاتبة السيناريو مريم نعوم، ويعتمد على دراما الحبكات المتعددة وهي نوعية من الأفلام يتم فيها سرد مجموعة من الحكايات لشخصيات تبدو في البداية لا يربطها أي شيء حتى تتجمع مثل القطع وتصل في النهاية لقيمة أو معنى يجمعها كلها، وفي السينما الأمريكية نماذج رائعة لهذا النوع من الدراما منها (ماجنوليا) لبول توماس أندرسون و(كراش) لبول هاجيس بالإضافة لثلاثية إليخاندرو جونزالز ايناريتو أستاذ هذا النوع من الأفلام.
نعود للفيلم نفسه الذي يستحق التوقف ودراسته بهدوء، فهو يتحدث عن الحاضر من خلال شخصياته المتعددة التي تدور في فضاء ينغلق على مخزون همومها وطموحاتها التي لا تكتمل، أما زمن الفيلم، بضع ساعات تسبق وتتخلل وتعقب مباراة كرة القدم التي جمعت بين مصر والكاميرون في نهائي كأس أفريقيا عام 2008، ونتيجة المباراة هي عنوان الفيلم الذي يصور علاقات السلطة والمال والمصالح المركبة والفساد والحب والإحباط داخل المجتمع القاسي والمتحول.
فئات إجتماعية
يرصد العمل فئات اجتماعية مختلفة منها، الفتاة التي لا تملك سوى جسدها لكي تبيعه وتحصل على المال ولقب مغنية، شقيقتها الكادحة التي تكبت حزنها على حالها حتى تدخل عزاء بالخطأ فتنفجر باكية حتى يظن بعض الحاضرين أن المتوفى قريبها، المذيع المقهور أمام حاجته للمال والنجومية فيرضى باستضافة فنانات يعلم أن لا علاقة بينهم وبين الفن ولكنها سياسة القناة التي تبحث عن وسائل لجلب الإعلان ولا يهمها قيمة ما تقدمه.
وحبيبته السيدة المسيحية التي قهرتها قوانين الكنيسة فرفضت التصريح لها بالزواج مرة ثانية وصرحت لطليقها الذي لا يطاق على حد تعبيرها، والكوافير الشاب المقهور على أكثر من مستوى، مديره في العمل يطرده تخوفاً من طموحه، وحبيبته باعت جسدها من أجل المال، ووالدته التي تعمل في تزيين النساء من أجل أن تعيش وتتعرض لمضايقات كثيرة في الوقت الذي تحتاج فيه إلى رجل يلبي رغباتها كأنثى.
هذه الشخصيات على تعددها واتفاقها في الشعور بالقهر وفقدان الكرامة، تسترد قوتها وكرامتها للحظة واحدة هي التي أحرز فيها «محمد أبو تريكة» هدف الفوز لمنتخب مصر في نهائي كأس الأمم الأفريقية، وبالرغم من أن معظم الشخصيات ليس لديها أي اهتمام بالكرة إلا أن الفرحة تغمرها بشكل مبالغ، ليس لتحقيق منتخب بلدها نصره الكروي، وإنما في واقع الأمر لشعورهم بانعدام القهر واسترداد الكرامة ولو لليلة واحدة هي ليلة الفوز بالكأس.
بصيص أمل
البطل الأول للفيلم بلا منازع هو سيناريو مريم نعوم، ويشاركه البطولة أداء طاقم التمثيل الذي يستحق الثناء، والذي استطاع تجسيد الأحلام التي تولد من رحم الإحباط، فتعيش الشخصيات كلها حالات الحب والغضب والتسامح والكره والتعاطف في عالم تبدو فيه لحظة الفرح سحابة صيف تمطر لحظة وتتبخر لكنها تكون كافية على بعث بصيص من الأمل.
أسامة عسل



