تحدث إلى بخفوت يقارب الخشوع معترفا بتاريخه، وساردا تجربته الغريبة. يقول: كنت ممن يوصفون بالدون جوان، وكنت مغترا بشبابي ووسامتي، وقدرتي على استمالة أية حسناء. البداية كانت كالدعابة والرهان مع الأصدقاء، ومع الأيام أصبحت عادة تملكتني كالإدمان، لم أتمكن أو ربما لم أرغب التخلي عنها. وهكذا استمر حالي أتنقل من علاقة إلى أخرى حتى لو كانت لمجرد الثرثرة على الهاتف أو الشات، وحتى لو كانت لمجرد أيام أو حتى ساعات.
كنت كلما دخلت علاقة وأنهيتها أدرجتها في مفكرة خاصة، مع الوقت ازدحمت المفكرة وصار لدي بدل الواحدة عدد يعد على أصابع اليد. وكلما ازداد عدد المفكرات زاد غروري وتفاقمت رغبتي بالمزيد من المغامرات لزيادة المفكرات. وهكذا اشتهرت بين أصدقائي حتى بدأوا ينصحونني بضرورة التوقف واتقاء الله في نفسي، لكني تجاهلت متضاحكا نصائحهم ووصفتهم بالغيرة مني.
انصرف عني الأصدقاء لخشيتهم من توتر علاقاتهم الاجتماعية والأسرية، ولكوني لم أكن قد تزوجت بعد فقد تجاهلت انصرافهم، وكونت صداقات جديدة، وأيضاً بعد فترة بدأوا بنصحي ولكن هذه المرة نصحوني بالزواج فهو حسب رأيهم الوسيلة الكفيلة بردعي عن هذا المسلك وعلاجي. كنت أتقدم بالعمر، إضافة إلى خسارتي لأفضل الأصدقاء، فقبلت بفكرة الزواج وتزوجت، لكن الأمر لم يستمر طويلا، لأعود بعد مضي أقل من شهرين لعادتي الدونجوانية السابقة.
حتى حانت لحظة شعرت فيها بالملل والاشمئزاز حقا، من هذا الوضع ومن نفسي، فعدت إلى أحد الأصدقاء السابقين ألتمس عذره ونصحه، مبديا رغبة حقيقية في التغير والالتزام، فأشار على بالركن الخامس للإسلام ألا وهو الحج، فعقدت العزم وأنهيت الاستعدادات وتوجهت إلى بيت الله الحرام. وهناك وأثناء الطواف حول الكعبة المشرفة حدث ما لا يصدق، فقد لفتت نظري حسناء ذات جمال باهر وقوام لا يقاوم رغم الإحرام، شاغلتني نفسي وعادت إلى روح المغامرة، حدثت نفسي بالمحاولة وبأن تكون الأخيرة، وبدأت بالتقرب إلى حيث الفتاة.
زاحمت الطائفين، وخرقت نظام الصفوف، وخاطرت بما لايحمد عقباه في هذا الحشد، حيث لم أستطع كف نظري عنها وانشغلت عن إتمام الشعائر حتى اقتربت منها، وانا أتلفظ هامسا برقم هاتفي بدلا من التلبية، وما كدت أرى وجهها القريب حتى صعقت وانتفضت رعبا وأنا أشهق من منظر يوقف شعر الرأس والبدن، فقد كانت عجوزا شمطاء بالغة القدم، ولكوني شهدت من تجاوزت أعمارهم المئة عام وزيادة، فإنه يمكنني أن أقدر عمرها واقسم أنه يفوق ذلك بكثير. وكانت اللحظة الحرجة والحاسمة فقد أدركت أنه امتحان الله، ولكني رسبت فيه بجدارة أو قولي بوقاحة.
خجلت بشدة وعدت مريضا من هول منظرها ومن حزني على فوات الفرصة، بقيت منكبا على وجهي أجهش بالبكاء، اعتزلت الناس لفترة ثم أعدت ترتيب نفسي وأنا ممتن لله سبحانه أن جعلني تحت بصره في تلك الرحلة والتجربة، ولكأنه خصني وحدي بعنايته ورعايته واهتمامه دون ملايين الحجيج في ذلك اليوم المشهود.
ف.ه
