طالما تصورت في صغري أنه أسعد رجل في العالم، كنت أحسده على حظه، مرددة بيني وبين نفسي وأيضا بين أقراني (يا حظه) أنه يعيش بين كل هذا في حال رغب بأي شيء يجده أمامه، ما عليه سوى أن يمد يده وهو جالس حتى يتناوله.
إنه راعي الدكان ذلك المحظوظ في نظري حسب طفولتي. يوم كنت طفلة كنت تجدني دوما أتواجد عنده أجلس فوق الفريزر بعد أن آخذ عصير (أهلا) مثلجا أو ''لبن أب'' مجمداً.
في تلك الأيام كان الدرهم مباركا وكان بالنسبة لنا دنيا يقسم إلى أربعة أقسام ربع كاكاو وربع لبان وربعين نمكي.. ياه كم كانت الحياة جميلة وسهلة ومتسعة حينها.
بالرغم من ذلك كنا نجلس لنحسده أنه يعيش في الدكان في حال أن وصلنا ووجدناه مقفلا توجهنا إلى الخلف حيث يسكن، وحيث موقف الحافلة المدرسية تقع الدكان. مستودع الحاجات السحرية الأسطوري.. نزوره طوال الوقت صباحا ظهرا عصرا وبعض الأحيان مساءً.
كانت لنا عليه سُلطة لا نعلم كيف ومتى نشأت، لكنها شائعة وكلنا نمتلكها نحن فريق الصغار، كنا ننتظر حتى يأتي «الميني باص» المحمل بالبضاعة، وكان (راعي) الدكان يعرف من نظرة أعيننا ما نريد، وكان يلبي على الفور طلبنا. كيف لا ونحن من آزرناه حين احترق الدكان ذلك اليوم المشؤوم، ونحن من افتتحنا الدكان بعد تجديده.
مرت الأيام وكبرت وأردت أن أجدد ذكرياتي، فعدت إلى ذلك المكان بعد غياب. كنت أتفحص الطريق المؤدي إليه بحذر وشغف وفضول وقلق، لكني وصلت ودخلت الدكان.. والذي أصبح اسمه الدكان القديم.
تصورت أن السنين قد أعطبت ذاكرة راعي الدكان فلن يتعرف علي، وكنت أعد بعض القفشات والسيناريوهات في حال تعذرت معرفته بي، لكن بمجرد أن شاهدني بدأ يعتب علي وعلى غيابي ويسأل عن أحوالي الدراسية والشخصية ويسأل بحرارة المهتم فعلا.
طبعا، أصبح كبيراً في السن، وشقت السنون طرقاتها ومعابرها على وجهه الطيب، لكن الصبر والمثابرة والرضا بالقليل، تراكم مع الزمن دخلا حلالا، فأصبح راعي الدكان زمان، أربابا اليوم، يجلس فقط للحسابات، وتدوين الاحتياجات لعقد الصفقات.
أما أنا فقد عادت إلي مشاعر الطفولة الحاسدة، واسترجعت كثيرا من المشاهد والصور، التي طالما حملتها في جعبة الذكريات عن (راعي) دكان محظوظ. والغريب في الأمر أني مؤخرا اكتشفت أن (راعي) الدكان هو في الواقع شخص عادي يكدح لقوت يومه تماما كما يكدح كل الناس لتأمين احتياجاتهم ومتطلبات حياتهم والإيفاء بالتزاماتهم ومن يعيلون.
لم أكترث بل بقيت على تلك المشاعر البعيدة لكني ابتسمت بعرض الكوكب لاكتشافي بأنه كادح مثل أبي زمان، ومثلي اليوم. فقد تخلصت من مشاعر الحسد للقادم من الأيام، مذكرة نفسي بأن الأشياء ليست دائما كما تبدو لنا.. لكنه الرضا هو فعلا الكنز الحقيقي.
مهرة - الإمارات
