منذ ظهور أول فيلم روائي طويل في الإمارات في نهاية الثمانينات من خلال تجربة «عابر سبيل» للمخرج علي العبدول، وحتى آخر فيلم شاهدناه بالأمس في مهرجان دبي السينمائي الدولي السادس وهو«دار الحي» للمخرج علي مصطفى، ثمة مسافة زمنية قد تطول أو تقصر بين الحلم والواقع، ولكن الأهم أن حلم وجود سينما إماراتية أصبح واقعا ملموسا حيا يتأثر ويؤثر.
لقد تغيرت ظروف كثيرة على المشهد السينمائي الإماراتي، منها ما هو مرتبط بالإمكانيات والمقدرة وعدد التجارب والمحاولات ما بين الأعمال القصيرة والوثائقية والروائية الطويلة، ومنها ما ساهمت فيه المهرجانات السينمائية ودور عرض السينما التي تفوق في عددها دول أخرى في المنطقة لها باع طويل مع هذه الصناعة، ما دفع إلي تحريك المياه الراكدة محليا وتغيير الثقافة البصرية لتميز بعض الأفلام وإن بقيت محصورة في تجارب قصيرة فقط.
ونتيجة لظروف أخرى ارتبطت بكتابة السيناريو وصعوبة التمويل وتصوير الديجيتال الذي جعل الأفلام تأخذ منحى الأعمال التليفزيونية أكثر منها السينمائية، وانعكس تأثيرها في خمس محاولات للأفلام الطويلة وكانت على الترتيب التالي، «حلم» لهاني الشيباني و«عقاب» لمجيد عبد الرزاق و«حنين» لمحمد الطريفي و«رمال عربية» التجربة الثانية لمجيد عبد الرازق وتم تصويرها بكاميرا 35 مللي و«الدائرة» لنواف الجناحي، خرجت تجربة فيلم «دار الحي» عن المألوف وجاءت مغايرة في كل شيء، هذا ما يؤكده المخرج علي مصطفى في لقائه مع «البيان» خلال الحوار التالي:
كيف بدأت حكاية فيلم «دار الحي»؟
شرعت في كتابة سيناريو هذا العمل منذ ثلاث سنوات، وحاولت من خلاله طرح فكرة تعدد الثقافات التي تنقل واقعية التركيبة السكانية في دبي، وتغوص في عالم الجنسيات المختلفة التي يجمعها مكان واحد، وبدأت في التنفيذ فبراير الماضي واستغرق التصوير 34 يوما، مابين جبل علي وحتا ومنطقة ديرة، وبقدر ما كان تركيزي على الموضوع أغراني لوكيشن التصوير في نقل أجواء وأماكن من دبي كواجهة سياحية للعديد من الجاليات العربية والأجنبية.
وكيف تعاملت مع واقع دبي سينمائيا وما الذي حرصت عليه ليخرج فيلمك مختلفا؟
تتمحور الأحداث الرئيسية للفيلم حول حياة ثلاثة أشخاص يعيشون، ضمن العديد من الثقافات الأخرى في مدينة واحدة هي دبي، وتتقاطع حياة رجل إماراتي محظوظ، وسائق تاكسي هندي أقل حظاً، وامرأة أجنبية، بحلوها ومرّها في مدينة حافلة بالطموح والنمو والفرص، مع معالجة لتعقيدات الحياة في المجتمعات المتعددة الثقافات، وبعد أن تم كتابة السيناريو والحوار عرضت العمل على اثنين من الكتاب البريطانيين هما جيري شيراد وجوني براون، لضمان سير العمل سينمائيا من بدايته حتى نهايته بنفس الروح والشكل، إلى جانب الاستعانة بطاقم سينمائي محلي وعالمي رفيع المستوى، حتى تخرج الصورة النهائية بأسلوب يتناسب مع عرض الفيلم في صالات السينما المحلية والعالمية.
ماذا عن اختياراتك للممثلين؟
انسجاماً مع فكرة تعدد الثقافات، شارك في الفيلم، الإماراتي سعود الكعبي والفنان الكوميدي المعروف أحمد أحمد وصاحب التجربة الثرية حبيب غلوم، بالإضافة إلى باقة من ألمع الفنانين العالميين من أمثال ألكساندرا ماريا لارا وجاسون فليمنج وسونو سود وناتالي دورمر ، وتتحدث الشخصيات بلغاتها الأصلية العربية والإنجليزية والهندية، مع ترجمة كاملة على الشاشة.
تجربة مفيدة
ما هو شعورك عندما تم اختيار فيلمك ليكون افتتاح برنامج «ليال عربية» في المهرجان؟
سعيد جدا وفخور بهذا التميز، وأتمنى أن يتعامل الجمهور مع الفيلم بقدر المجهود المبذول فيه، وأكون عند حسن ظن الجميع في محاولة ينشدها الشباب السينمائي بالإمارات، وهي فرصة بلا شك لأفلام أخرى يمكنها أن تكون على نفس الدرب أو تسترشد بإيجابيات وسلبيات تجربة فيلم «دار الحي».
هل يمكن معرفة من قام بتمويل الفيلم وكم تكلف؟
«دار الحي» ثمرة دعم كبير مقدم من «مجموعة DIFC لايفستايل»، المستثمر الوحيد في الفيلم، ومباركة «هيئة دبي للثقافة والفنون»، والمساهمة الفاعلة من رعاته الرئيسيين، وهم «مهرجان دبي للتسوق»، و«مطارات دبي»، و«سوق دبي الحرة»، و«نخيل» و«العالم»، أما تكلفة الفيلم والتي يحرص المنتج المنفذ تيم سمايث من شركة «فيلم ووركس» على عدم الإفصاح عنها، تجاوزت ال10 ملايين درهم إماراتي.
ما هي الصعوبات التي واجهتك خلال التصوير؟
لا يخلو أي عمل فني من الصعوبات ولكنني وجدت كل الدعم من حكومة وشرطة دبي من خلال تسهيل إجراءات التصوير في الشوارع والأماكن الداخلية، خصوصا أن هناك مشهدا لحادث كبير تم تصويره في مدينة دبي للإعلام واستغرق تصويره 3 أيام وقمنا فيه بتدمير 10 سيارات حتى يبدو حقيقيا.
لماذا قمت بتقليل مدة الفيلم من 120 إلى 97 دقيقة؟
ليزداد قوة ويسرع إيقاعه، ودفعني حزني على إزالة 23 دقيقة من المشاهد إلى تأجيل رؤية الفيلم مع الجمهور في نسخته النهائية، والحمد لله لاقى استحسانا ورد فعل طيبا من الجمهور.
ومتى نتوقع عرضه في صالات السينما؟
هذه الخطوة مبكرة جدا، لأنني أرسلت الفيلم إلى أكثر من مهرجان سينمائي، وسأجعل المهرجانات هدفي في المرحلة الحالية، وبعد ذلك أبدأ في التخطيط لنزوله إلي صالات السينما المحلية، ومن الضروري عمل دعاية كبيرة تدفع جمهور السينما الأميركية والهندية والعربية إلى الذهاب لرؤية فيلم إماراتي بمواصفات عالمية.
أهمية أفلامنا
كيف ترى السينما الإماراتية؟
أعتقد أن السينما الإماراتية تسير كل عام بخطوات جيدة وناجحة جدا رغم كونها بطيئة وذلك للاعتبارات التالية: عمرها القصير الذي لا يتجاوز ثماني سنوات، عدم وجود أية معاهد متخصصة لتدريس السينما، والأهم من ذلك عدم وجود تاريخ حقيقي سابق، هذا الوضع خلق دون شك حالة من عدم استيعاب حقيقة الحالة السينمائية لدى العديد من المخرجين الجدد على هذا المجال الوليد، وهذا أمر طبيعي، لقد كانت البداية صعبة جدا.
ولكن بالاجتهاد على تطويرهم الأدوات، وتكثيف مشاهدة الأفلام والتعرف على السينمات المختلفة، وتوسيع مدارك الثقافة السينمائية الصحيحة تطورت بالنتيجة الأفلام نفسها، وهذا ما جعل الأفلام الإماراتية تصل إلى العديد من المهرجانات الدولية المهمة، فلقد أثبتنا أهمية أفلامنا داخل وخارج الإمارات، وجمهور هذه السينما في ازدياد ملحوظ من عام لآخر.
إلى أي حد تحظى هذه السينما بدعم من الجهات والمؤسسات الرسمية؟
الدعم الرسمي للأفلام الإماراتية حتى الآن بسيط للغاية، ولكن مقارنة للوضع اليوم مع بداية انطلاق الحركة السينمائية الإماراتية ووجود العديد من المهرجانات بالدولة صار الوضع أفضل بالتأكيد، هناك بعض الجهات التي تقدم دعمها في شكل تسهيلات خدمية أو معونات مادية بسيطة تعتبر متواضعة جدا في مجال كمجال السينما، ولكنني أعتقد أن ما ينقصنا فعلا وبشكل أساسي هو وجود الممول والمنتج الحقيقي الذي يؤمن بقيمة السينما فنيا وتجاريا.
رعاية المواهب المحلية
دور أساسي لـ «هيئة دبي للثقافة والفنون»
أعرب سعيد النابودة المدير التنفيذي للمشاريع في هيئة دبي للثقافة والفنون، عن سعادته بهذا الإنجاز قائلاً: يأتي دعمنا لفيلم «دار الحي» في إطار جهود «هيئة دبي للثقافة والفنون» الرامية إلى إيجاد بيئة ثقافية غنية وحيوية في دبي، بما ينسجم مع الروح العالمية للمدينة، وتشكل السينما جزءاً أساسياً من الحياة الثقافية لأي مجتمع مدني، ما يعني أن وجود قطاع سينمائي محلي قوي في الإمارة يلعب دوراً أساسياً في نموها الثقافي، ويمثل فيلم «دار الحي» مبادرة مهمة من شأنها أن تسهم في تحقيق رسالة «هيئة دبي للثقافة والفنون»، الرامية إلى جعل دبي مركزاً ثقافياً عالمياً ورعاية المواهب الفنية المحلية، والارتقاء بها إلى أرفع المستويات العالمية.
إضاءة
يعتبر علي مصطفى، الفائز بجائزة «أفضل مخرج إماراتي» في «مهرجان دبي السينمائي الدولي 2007»، صاحب رؤية متميزة في فيلمه الجديد «دار الحي»، وتتجلى لمساته الإبداعية من خلال التأليف والإنتاج والإخراج، بعد أن حقق فيلمه «تحت الشمس» صدى إيجابياً واسعاً على الساحة السينمائية الدولية، وهو مشروع تخرجه من «لندن فيلم سكول».
حوار ـ أسامة عسل


