الملكة تحضر. عدسات المصورين تغرق المكان بانخطافات الضوء. تلمع، فيتلاشى بريقها سريعا على جدران «بوابة المركز التجاري المالي». المكان، تحفة التصميم العمراني الحديث، مجهز تماما، للاحتفال بإحدى أهم مناسبات مهرجان دبي السينمائي الدولي. ليلة ال«أمفار»، أو فٍنءز، فعالية ينتظرها ويلاحقها كل المهتمين بمحاربة مرض نقص المناعة المكتسب، الإيدز. قد يبدو العنوان مخيفا بعض الشيء، لا يتلاءم مع كل ذلك البريق الذي يغمر منطقة «الحي المالي»، ويتناغم مع الأضواء الساطعة من «أبراج الإمارات» القريبة.

ما للإيدز والنجوم؟ كلهم هنا، تركوا سجادة مدينة الجميرا الحمراء، واختالوا على سجادة «البوابة». لكن للسينما مسؤوليتها أيضا. للنجوم، في القيادة والفن والسياسة، ممن يعشقهم الجمهور، ويعتبرهم أمثلة عليا، ويتأثر أنماط حياتهم واختياراتهم، لهؤلاء مسؤولية في التوعية واستغلال ما لهالة النجومية من تأثير، من أجل بث الرسائل المفيدة، ومنها الصحية. من هنا ولدت مبادرة «سينما ضد الايدز»، قبل سنوات، وتحديدا في أروقة مهرجان «كان السينمائي الدولي» في العام 1993.

حينها، كان العالم لا يزال يعيش صدمته من التزايد الكبير لفيروس فتاك مضى على ظهوره العلني «الرسمي» أكثر من عقد، آنذاك. «أنفار»، مؤسسة تبحث وتوثق في دائرة هذا الفيروس. تبحث أيضا عن الوجوه والمناسبات والداعمين من أرقى شخصيات العالم، لكي يحملوا رسالتها. من روما إلى تورنتو إلى فينيسيا، ودبي أيضا، يتنقل هذا الحدث الهام الصحي الاجتماعي العالمي، لكي يحيط به كل الواهبين المهتمين بتحسين حياة البشر. هكذا هي السينما أيضا.

ألم تغيّر الأفلام حياة البعض منا، ألم تنجز القوانين وتلقى القرارات، على أثر أعمال سينمائية. ألم نعشق ونخسر ونهرب وندخن ونتعلم.. كما يفعل النجوم في الأفلام؟ لكن السينما أيضا، المسؤولة عن الحب والجمال وشيوعهما في حياتنا، متهمة أيضا بنشر «رسائل هدامة»، تحت عنوان الحرية الكاملة. البعض يعتقد أن الأفلام هدمت حياة فئة من الناس، من تلك التي لا تمتلك الوعي الكافي لهضم ما في السينما بشكل ايجابي. من هنا، أيضا، تكتسب مبادرة «أمفار» أهميتها. إنه تأكيد على الدور التوعوي للسينما، ومواجهة عملية مع فئة المنتقدين والمشككين.

تحمل النجمة المصرية الهام شاهين ورقة كلماتها مكتوبة بالانجليزية، وتراجع المعاني مع زميلها مصطفى فهمي، على الطاولة التي ضمت سمير غانم ورجاء الجداوي، تحت الثريات البراقة. الطاولات، التي افترشت بالأبيض والاخضر الفاتح، تعكس أجواء السلام المخيمة على مئات المدعوين ممن توافدوا أول أمس على أمسية «البوابة». آثار الحكيم، رانيا فريد شوقي، بوسي شلبي، لا زلن يتفرجن على المعروضات القيمة من المجوهرات التي ستعرض في المزاد، الذي سيعود ريعه إلى دعم المبادرة:»الله، دي حلوة أوي«.

النجوم الغربيون أيضا لا زالوا يتوافدون على السجادة. المصورون ينشرون في الجو الكثير من الصخب. يطلبون من تلك الحسناء أن تلتقط طرف فستانها الأبيض العاجي وأن تستدير من أجل لقطة مميزة. يطلب احدهم من النجم أن ينظر إلى اليمين «رايت»، فلا يكاد يفعل حتى يأتي الطلب من آخر «يسار»، أو «أسفل»، و«اعلى». الفرقة الموسيقية تعزف البلوز والجاز وأنغاما أخرى.

»أرجوك، هل تظهر لي هويتك«، يقول رجال الأمن المنتشرون في المكان، لبعض الأشخاص، ممن كانوا يطلقون عدسات كاميراتهم في أمكنة غير تقليدية، بعيدا عن السجادة. الأمن يحافظ على خصوصية الأمسية. في الهواء الطلق، وفي حضرة كل هؤلاء النجوم، وفي مكان استراتيجي كبوابة الحي المالي، سيكون عليك أن تتحلى بكامل الجدية والتنبه من دون الخروج عن آداب اللياقة، وهكذا كانوا.

الملكة نور الحسين، ضيفة الشرف، حين تحضر، يخيّم جو من السكينة على المكان. المنظمون يرافقونها حتى مقعدها، بعد التوقف قرب منصة عرض مشروع «دبي بيرل»، راعي الحدث. تعرب عن إعجابها بالمشروع. عدسات الكاميرا تلاحقها، وتلتقط صورا كثيرة لوجه ملكي مشع بالسلام والمحبة.

النجوم، الذين كانوا قد تمركزوا في أمكنتهم، يعودون إلى المدخل حين معرفتهم بمجيئها. يحيونها كما يليق بالملكات أن يحيين، ويرافقنها حتى الطاولة. المزاد يبدأ. المرح يختفي قليلا، ويحل مكانه الإحساس بالمسؤولية وجدية المهمة. أرقام الألوف تتطاير، كما تفعل تلك العصافير، التي ظهرت فجأة تحت الشجيرات القريبة، لتشارك، هي أيضا في الحفل.. على طريقتها!

دبي ـ إبراهيم توتونجي