«عليك حين تختار فيلماً أن تختار تجربة تغنيك. في نهاية المطاف، سيتوجب عليك أن تعيش مع فيلمك لمدة سنتين». يستطيع المخرج الأميركي، «شيكاغوجي» التجربة والهوى، روب مارشال أن يجيب عن سؤال: لماذا يصنع المخرجون الأفلام، على تلك الشاكلة. بوسعه أن يفسر ذلك الاكتئاب الوجودي، غير المفهوم، الذي يسكن المبدعين، برغبة مستديمة بالبحث عما يملؤهم، ويملؤنا، تاليا. المبدع، يحبل بالأفكار، يهجس بها، يهذي، يلدها، قبل ان يعود إلى لحظة الخواء القاتلة. لحظة: ماذا بعد؟
لعل روب مارشال، بعد فيلميه «شيكاغو» و«فتاة الغيشا»، اصطدم بهذه اللحظة. ابتعد عن السينما لسنوات. لم يتوقف، قدم 29 عملا يغلب عليها الطابع الوثائقي التلفزيوني. أرشف تاريخ المغنين والراقصين في هوليوود، على مدى أكثر من سبعة عقود، وقدمه في سلسلة وثائقية. لكن السينما، كانت اشتهاء آخر. والمخرج، الذي برع، باكرا، في هندسة إيقاعات وحركة وانفعالات وأنفاس الممثلين والراقصين، فتش حوله، فإذا برجل آخر، خارجا من ذات الدوامة، يلقي عليه التحية: إنه فلليني، المخرج الايطالي الأيقوني، سبق وتاه في هذه «الديالما»، وعالجها في فيلم الستينات ثمانية ونصف.
جيدو كونتيني، مخرج ايطالي، محاط بالألق، مملوء بالنزق، معاقب بالأرق. لعله توصيف إيقاعي، شاعري أيضا، لكنه تشخيص يعكس، بالتأكيد، ذلك الغنى الذي يبحث عنه مارشال حين «يعيش» مع فيلمه لمدة سنتين أو أكثر. تأتي هذه الشخصية، التي جسدها الممثل دانيال دي لويس، من خشبات برودواي ومسارح لندن. منذ إنتاجها الأول، في بدايات ثمانينات القرن الماضي، الهم كتاب آرثر كوبيت مع موسيقى موري يوستن، مخرجين وممثلين كثرا لتنفيذ هذا العمل. انطونيوس بانديراس في النسخة الأميركية، ورول جوليا وجوناثون برايس في النسخ اللندنية.
مسرح وعروض موسيقية، جعلت من غنائية «تسعة» خميرة ناضجة، فنيا وجماهيريا، لإدخالها في «الفرن السينمائي»، واستقطاب أشهر نجمات السينما في العالم، من أجل «إشعال» نيران هذا الفرن. هكذا حقق مارشال، المهووس بفكرة النجوم العالميين، والذي طالما ردد أن أميركا تأخرت في اكتشاف أهمية نجوم السينما خارج هوليود، حلما قديما لديه، فأتى بماريون كوتيارد الفرنسية، إلى الفيلم في دور الزوجة التي تكمل رحلة من الآلام والقدسية، بدأتها كوتيارد بفيلمها «الحياة الوردية» عن قصة الأسطورة الفرنسية ايديث بياف. إلى جانب كوتيارد، الاسترالية نيكول كيدمان واللاتينية بينولوبي كروز مع الأميركية كيت هدسون والانجليزية المخضرمة جودي دانش، ومن دون أن ننسى ظهورا ذا جاذبية خاصة، للإيطالية صوفيا لورين.
» أن تكون ايطاليا..»، أغنية الفيلم الأكثر جاذبية، مع أداء «الكان كان» الفرنسي الراقص، ممزوجا بالتجرؤ «الشيكاغوجي»، وخيالات فيليني، مع أداء كوتيارد، فرنسي الطراز، والحكمة البريطانية التي أدتها دانش.. كلها عناصر حققت لمارشال احد أحلامه، وحققت للجمهور السينمائي العريض الذي حضر عرض الفيلم في افتتاح مهرجان دبي السينمائي في دورته السادسة، ليلة أول أمس.. حقق له متعة بصرية وإبهارا عاطفيا لن ينسى. النقاد؟
بعضهم التقط في الفيلم أشلاء من أفلام أخرى مثل «سينما باراديسو» و«ميلينا»، والبعض الآخر تحدث عن عقدة «شيكاغو»، وهو بالمناسبة توصيف يحتمل النقاش إذا ما تفحصنا سيرة مخرج يجد في الكوريغرافية الغنائية شغفا ومشروعا، وهناك فريق ثالث وجد في الفيلم الذي يعالج مأزق مخرج يبحث عن بوصلة الإبداع، ضياعا لبوصلة مارشال ذاته، الذي افتقد، بدوره، ال» سكريبت»، كما بطله جيدو كونتيني.
هل واجه مارشال صعوبة في تحويل الغنائية المسرحية إلى مادة سينمائية، هذه المرة؟ هل كانت الشخصيات في شيكاغو على درجة أكبر من الغنى، سهلت عليه تلك المهمة، فبرع فيها وكرر تكنيكات كثيرة استخدمها في فيلمه الأول، فأضجر مشاهدي فيلمه «تسعة»؟
هل أراد فيلما شخصيا للغاية، مزاجيا للغاية، حمله رسائل حب واحتفاء إلى السينما وفيليني وبرودواي والنجمات الفاتنات، فلم يتنبه إلى بعض الرتابة و«الكليشيهات» وال«ديجا فو» في الفيلم؟ من الصعب ربما الإجابة عن أسئلة يكاد يكون طرحها نفسه عصيا على سياق الإبداع، حين يكون متوغلا في الذاتية؟ هل أزمة جيدو كونتيني هي أزمة مارشال، أم أزمة كل مبدع، حين أهمل تاء التأنيث، «فرغ رحمه»؟ أليس هذا.. «كليشيه آخر»؟
دبي ـ إبراهيم توتونجي


