أبدى المفكر الإسلامي د. محمد الشحات أسفه لما يحدث في الوطن العربي من انقسامات شديدة خاصة في فلسطين، مشيرا إلى أن الانقسام الفلسطيني هو جزء من الانقسام العربي، وقال: لو خلصت النوايا بعيدا عن التدخلات الخارجية لأمكن ترتيب البيت الفلسطيني بالتركيز على نقاط الالتقاء.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر ضرورة الحوار مع الغرب.. مشيرا إلى أننا في حاجة للتعامل معه لكن وفق ضابط واحترام متبادل، وقال: يجب علينا أن نعترف بأن مشكلة الفتوى على مستوى الدول العربية والإسلامية متأزمة، مشددا على ضرورة أن تكون هناك ضوابط وشروط لآداب المستفتين. وهذا نص الحوار:

كيف تقرأ المشهد الإسلامي الراهن في ظل حالة الانقسام بين الدول ما بين مؤيد ومعارض؟

من المؤسف أن يشهد الموقف العربي والإسلامي هذه الحال من الانقسام بين دول مؤيدة وأخرى ممانعة.. فمن المهم أن تكون الأسرة العربية والإسلامية متوحدة جميعا حول قضاياها المحورية، لاسيما القضية الفلسطينية، التي أراها السبب الرئيسي في انقسام الصف العربي، حيث نجد بعض الدول العربية مع حماس، والبعض الآخر مع السلطة الفلسطينية.

بينما كان الطبيعي أن يتحد الفرقاء الفلسطينيون حتى يتحد العرب في موقف موحد إزاء القضية الفلسطينية، لأنها قضية محورية ومركزية في العالمين العربي والإسلامي، لكن لن يتحد العرب ما لم يتحد الفلسطينيون أنفسهم، فلابد أن نبدأ بداية صحيحة بتوحيد الصف الفلسطيني، لذلك يجب أن تتجه الجهود العربية نحو رأب الصدع الفلسطيني، وتحقيق مصالحة وطنية مصداقا لقول الله تعالى في كتابه العزيز{واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا}، فإذا اتحد الفلسطينيون فسينتهي الانقسام العربي.

ليس من العدل أن نحمل الفلسطينيين وحدهم مسؤولية الانقسام العربي؟

لم أقل إنهم السبب الوحيد، ولكنهم ضلع رئيسي في تشتيت مواقف الدول الإسلامية ما بين مؤيد لهذا ومعارض لذاك، بينما ينبغي أن يتحد الجميع نحو هدف واحد، وهو إقامة الدولة الفلسطينية، فلماذا لا نتفق حول هذا الهدف، لكن للأسف هناك اعتبارات سياسية، وهذه مشكلة المشاكل، فلو تخلينا عن هذه المشكلة وارتضينا بالحل الإسلامي في تغليب المصالح العليا على الأهواء الشخصية لأمكن أن نخطو للأمام، ودعنا نتمسك بالمقولة المأثورة «نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه»، وأدعو الأخوة في السلطة الفلسطينية والأخوة في حركة حماس أن يتفقوا فيما هم متفقون عليه ويوحدوا صفوفهم، لنرى حينها ما الدور الذي سيقدمه فريقا الاعتدال والممانعة.

فتحت الإدارة الأميركية قبل أشهر صفحة جديدة مع العالم الإسلامي.. كيف تقرأ ذلك كمفكر إسلامي؟

هناك تفاؤل عام لدى المسلمين منذ خطاب أوباما إلى العالم الإسلامي من القاهرة، لكن يجب ألا نفرط في التفاؤل حتى نرى الأقوال كالأفعال، وعلينا أن ندرك جيدا أن من يبني المسلمين هم المسلمون، ولن ينهض العالم العربي والإسلامي إلا بالعرب والمسلمين، وهذا لا يعني أن ننغلق على أنفسنا، بل نحن مطالبون بالانفتاح على الآخر، لكن دون أن نلغي عقولنا أو نغيّب دورنا.

كيف ننفتح على الآخر دون أن نلغي عقولنا أو نغيّب دورنا؟

أن نعرف العالم بمبادئ وقيم إسلامنا التعريف الصحيح، الإسلام الوسطي المستنير المعتدل الذي قال عنه القرآن الكريم {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتُكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، من هذا المنطلق علينا تقديم الإسلام بصورة ملائمة للعصر، من واقع القرآن والسنة النبوية المطهرة، ويدعمنا هذا الموقف في أننا لا نأتي بدين جديد لنفرضه على العالم، ما يجعلنا على علاقة شراكة مع الغرب وليست علاقة تابع، لكن لتحقيق ذلك يجب أن نتوحد كأمة إسلامية ، ويكون لنا موقف واحد في مواجهة الآخرين، وأن نتواصل مع جالياتنا الإسلامية في المجتمعات الغربية، والاستفادة مما وصل إليه الغرب في التكنولوجيا والفيزياء والطب والهندسة.

إلى أي مدى يمكن أن نعول على الجاليات الإسلامية في تصحيح الصورة المغلوطة عن الإسلام؟

قبل أن نعول على هذا الدور، ينبغي أولا أن نتابع هذه الأقليات، وأن نرشد تعاملها، ونوحد صفوفها .. لأنهم أيضًا مشتتون داخل العالم الغربي، وبالتالي علينا أن نعمل على أن تكون هذه الأقليات بمثابة لوبي مسلم داخل المجتمعات الغربية على غرار اللوبي اليهودي داخل الكونجرس الأمريكي الذين يتحكمون في قرارات الإدارة الأمريكية، والخلاصة أنه بإمكان الأقليات الإسلامية أن يكون لها دور كبير جدًا في تصحيح الصورة المغلوطة عن الإسلام لو وظفت التوظيف الصحيح.

وماذا عن دعوات الحوار مع الغرب، هل يمكن أن تثمر نتائج إيجابية؟

الحوار مع الغرب ضرورة، لأن هناك قضايا مشتركة بيننا وبين الغرب، أيضًا الغرب يملك، بحكم قوته المادية والعسكرية والتكنولوجية وغيرها من القوى، الكثير لحل المشكلات داخل الوطن العربي والإسلامي، فنحن نحتاج إلى التعامل مع الغرب، لكن وفق ضوابط واحترام بعضنا البعض.

لكن كيف يستمر هذا الحوار في ظل الهجوم الذي يتعرض له الإسلام من آن إلى آخر؟

الهجوم على الإسلام له وجهان، وجه يشوه الإسلام ويسيء إليه والإسلام منه براء، وهذا هو الوجه السلبي، أما الوجه الإيجابي فيتمثل في أن لهذا الهجوم شواهد عديدة تخدم الإسلام، وتلفت نظر غير المسلمين للتعرف عليه، وهناك إحصائية تقول إنه بعد أحداث 11 سبتمبر العام 2001 وما نسب إلى الإسلام من عنف وتطرف وتعصب، هناك عدد كبير من الأمريكان اعتنقوا الإسلام بعد أن درسوه دراسة متأنية ووجدوا فيه الحق الذي يبحثون عنه.

أين المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية من القضايا المعاصرة سواء داخل المجتمعات الإسلامية أم خارجها؟

المجلس يتعاطف مع كل القضايا العصرية التي تفرض نفسها على الساحتين الداخلية أو الخارجية.. وليس أدل على ذلك من أن المجلس قام بنشر كتيبات تتناول بعض القضايا الإسلامية وموقف الإسلام منها مثل قضايا التحرش الجنسي والختان والوسطية والإرهاب إلخ.

وعلى الصعيد الخارجي تصدى المجلس لحملات الهجوم الضارية التي تعرض لها الإسلام من الغرب في السنوات الأخيرة من خلال نشر الكتب بمختلف اللغات للتعريف بحقيقة الإسلام.. كما يقوم المجلس أيضا بنشر المطبوعات وإعادة طبع أمهات الكتب والمراجع والموسوعات وطرحها بأسعار زهيدة لنشر الثقافة الإسلامية السليمة في مواجهة الأفكار المتطرفة التي يمكن أن تقود المجتمع لنتائج لا تحمد عقباها.

وما أهم معالم هذه الأفكار المتطرفة من وجهة نظرك؟

ربما من أبرز معالم الأفكار المتطرفة في المجتمع الإسلامي سيادة المواجهات الدموية في الصدامات الإسلامية، فرغم وجود عدة طرق سلمية لتسوية المنازعات فإن إرادة الفرق المتنازعة تنأى بنفسها عن هذه الحلول التي أقرها الإسلام وتلجأ إلى طرق أخرى من شأنها تحويل العالم الإسلامي إلى بحيرة من الدماء.

وما الحل من وجهة نظرك للخروج من هذه الدوامة؟

علي الجماعات المتطرفة أن تعود إلى رشدها وأن تفهم أن ما تفعله يخالف صحيح الدين الذي يدعو إلى إفشاء السلام، وهناك حديث شريف يقول « المسلم من سلم الناس من لسانه ويده».

في ضوء المناداة المستمرة بتجديد الفقه.. برأيك ما الصفات التي ينبغي توافرها في المفتي العصري؟

لا يوجد مفت عصري وآخر رجعي، فالجميع يفتون بما يوافق مستجدات عصرهم، والمفتي يجب أن يكون ملمًا وعالمًا بالقرآن الكريم والسنة المطهرة والإجماع والقياس والمصادر الإسلامية، وأن يعلم مقاصد الشريعة، وأن يكون على دراية بقضايا عصره، ولا يحبس نفسه داخل دائرة منغلقة ومنعزلة.

القاهرة- دار الإعلام العربية