لم يسبق لأي من نجوم السينما الهندية أن حقق المكانة التي يتمتع بها أميتاب باتشان في العالم، فهو يشكل ظاهرة استثنائية وضعت بصمة ناصعة على جبين السينما، تجاوزت شعبيته شبه القارة الهندية بفضل كسره القالب التقليدي لسينما بوليوود، وتخطيه العقبات التي واجهته، ويحظى في العالم العربي بشهرة كبيرة بسبب الأفلام الهندية التي انتشرت في دور السينما العربية في العقود الاخيرة، وسيبقى مصدر إلهام للأجيال المتعاقبة.

باتشان يمنحه مهرجان دبي السينمائي في دورته الجديدة تكريما خاصا، يحصد به جائزة «إنجازات الفنانين»، تقديرا لإسهاماته في عالم السينما الهندية والعالمية، ليستحق بذلك أن يكون «نجما فوق العادة»، بعد أن غزا قلوب معجبيه بأدائه البسيط، والعبقري . في لقاء خاص مع (البيان) استعرض باتشان أهم المحطات في حياته وكان الحوار التالي:

ما تعليقك على تكريم مهرجان دبي السينمائي، وما نصائحك له من خلال خبرتك مع المهرجانات؟

إنني على ثقة تامة أن السينما تجمعنا لتحقيق هدف سام من السلام والأخوة والتضامن، ومهرجان دبي السينمائي الدولي نقل السينما إلى مستويات جديدة من العلاقات المجتمعية، وذلك من خلال عرضه مجموعة متنوعة من الأفلام العالمية وتوفير منصة للحوار المثمر، وسعيد للغاية بهذا التكريم وأكثر سعادة لأن المهرجانات كانت حتى وقت قريب صناعة غربية فقط، والآن أصبح لهذه المنطقة مهرجاناتها السينمائية التي تحظى بسمعه عالمية في جميع الأوساط، ويقيني أنها تغير صورة هذه المجتمعات في عيون الغرب، أما نصائحي فلا يمكنني قول الكثير في هذا السياق لأنها المرة الأولى التي أحضر فيها هنا، ومن المؤكد المرة المقبلة يمكنني إبداء الملاحظات سواء كانت سلبية أو إيجابية.

حرارة المشاعر

هل ترى في نكهة التكريم العربية لك مذاقا مختلفا عن تكريماتك السينمائية الأخرى؟

بالتأكيد لدي شعور مختلف، لأن مجتمعاتنا متقاربة ومتشابهة، وهذا واضح في الطريقة التي نتحدث ونتصرف بها، وهو إحساس رائع أن تشعر وكأنك في بلدك، أو كأن بلدك هي التي تكرمك، وهذا يظهر في حفاوة الاستقبال وحرارة المشاعر وطريقة الاحتواء.

كيف ترى السينما العربية، وهل لك سابق معرفة بها أو تتابعها حاليا؟

للأسف لا أشاهدها ولست مراقبا لها، وعندما آتي إلى دبي أشاهدها من خلال التلفزيون وأرى أنها تثير اهتمامي، فالتعبير عن العواطف والمشاعر في السينما العربية قريب جدا من السينما الهندية، لأن الحضارة والثقافة بين الجانبين فيهما قدر كبير من التشابه، ويتجلى ذلك في المشاعر والعواطف داخل الأسرة، من خلال علاقة الأب والابن أو الأخ والأخت، وهذه المشاعر نراها في الشرق الأوسط والشرق عموماً، ويعجبني أيضا الموسيقى والأغاني والدراما لأنها قريبة جدا من الذي نقدمه.

مثيرة وجديدة

باتشان نجم التسعينات، هل تأثرت جماهيريته بعامل السن أم أن للخبرة رأياً آخر؟

بطبيعة الحال وفي عمري الذي يبلغ 68 عاما، من المهم أن أقدم أدوارا تتناسب مع هذا السن، مثل الأب أو الجد، ثم إن فكرة العمل هي التي تتحكم في الشخصيات وماذا تؤدي، فمثلا في فيلمي الأخير«با» أقدم فيه شخصية مراهق يبلغ من العمر 13 عاما اسمه «أورو» يصاب بمرض جيني نادر يجعله يشيخ في سن مبكرة، ويرتدي طوال الأحداث زي المدرسة، ويظهر برأس أصلع كبير وعينين جاحظتين وأسنان بارزة، ولم أتردد في قبوله لأنه يركز على العلاقة الجوهرية بين الأب والابن، ولا يتحدث فقط عن الحياة المأساوية لمريض بالشيخوخة المبكرة، وتعد هذه الشخصية مثيرة وجديدة تماما على أفلام بوليوود التي تدور عادة حول قصص الحب والرقص والغناء التقليدي أو حول القضايا الاجتماعية والسياسية.

هناك نجوم خرجوا من بوليوود إلى هوليوود، ألم تراودك هذه الفكرة، وما تقييمك لتجربتهم في مكان آخر؟

أولا إذا كانت هناك فرصة سانحة أو دور مناسب لما لا، ومن المؤكد لو عرض على دور سأفكر فيه، ثانيا لا أحب أن يطلق لقب بوليوود على صناعة السينما الهندية لأن لنا شكل وأسلوب وشخصية ومواضيع مختلفة عن هوليوود، كما أنني مقتنع بأننا نملك نفس المواهب والمهارات التي لدى نجومها، ولدي انطباع بأنهم ليسوا أفضل منا، قد تكون لديهم إمكانيات تمويلية أفضل، لكن من ناحية شباك التذاكر السينما لدينا تحقق إيرادات أكبر، وبالنسبة لتجربة نجوم ونجمات الهند في هوليوود فأرى أن عالم السينما فيه قدر كبير من الإبداع ولكل واحد الحق في حرية الانتقال والعمل في مكان آخر يضيف له ما يريد من انتشار أو شهرة.

تسلية وتنفيس

في رأيك ما الذي يميز السينما الهندية عن غيرها من سينمات العالم؟

لقد سألت نفس السؤال إلى والدي، فقال (الثلاث ساعات) وهي مدة الفيلم الهندي الطويلة التي يعيش فيها المشاهد ليرى نفسه على الشاشة، ومن خلالها يأخذ حقوقه الضائعة ويحصل على العدالة، صحيح المتفرج يخرج وفي عيونه دموع لكن وجهه عليه ابتسامه، ومن ثم فالسينما وسيلة للتسلية والترفيه وأيضا للتنفيس عن الواقع ومشاكله التي تحاصر الناس.

لماذا تتوقف وتسترشد بوالدك والدتك في أغلب أحاديثك الإعلامية؟

والدي كان أستاذا جامعيا بجامعة حيدر أباد وأديبا وشاعرا وقد ترجم بعض مسرحيات شكسبير، وبالتالي لا أستطيع التفريق بين أفكاري ومشاعري تجاهه، فقد لعب دورا بارزا في تكوين شخصيتي وشجعني على القراءة لكبار المؤلفين والأدباء، أما والدتي تيجي فهي أيضا لعبت دورا هاما في طفولتي الهادئة وساعدتني على تنمية مواهبي من خلال العزف على الآلات الموسيقية وخاصة الجيتار، وبالتالي تجدني تلقائيا وبدون شعور أتذكرهم في أي حديث من واقع ما علماني واكتسبته خبراتي منهم.

خبرة فقط

كيف كانت تجربتك كفنان مع الحياة السياسية، وهل استفدت منها؟

كانت تجربتي السياسية في بداية الثمانينات من خلال عضوية البرلمان، وهي تجربة مريرة رغم أنها لم تستمر سوى ثلاثة أعوام ـ وقد جاء ترشيحي لها بسبب صداقتي لأسرة راجيف غاندي ونجوميتي في السينما وأيضا كان اختيارا من قبل حزب المؤتمر، وبعد دخولي البرلمان واجهتني شائعات شرسة من جانب الصحافة وأحزاب المعارضة، ما أثر في نفسيتي كثيرا واضطررت إلي أن أترك المجال السياسي عام 1987 بعد اغتيال صديق طفولتي راجيف غاندي، أما مسألة الاستفادة فلا تتعدى مجرد الخبرة فقط، والتعرف عن قرب على دهاليز السياسة.

نجم القرن

ما تعليقك على اختيارك من قبل هيئة الإذاعة البريطانية الـ (بي بي سي) لتكون نجم القرن؟

إن مجرد ترشيحي ووضعي بجوار عمالقة السينما مثل تشارلي شابلن ومارلون براندو يجعلني لا أتمالك نفسي من الفرحة، وتتملكني مشاعر من العرفان والحب للأحاسيس الفياضة التي تكنها لي جماهير السينما في الهند والعالم، ولا يزال رد فعلي هو الذهول لأنني غير مصدق أن عشق المشاهدين وارتباطهم بي وبأعمالي، يدفعني دوما إلي مناطق وألقاب لم احلم بها، وأعد نفسي من أكثر المحظوظين فإنني لم أخطط لنجاحي ولكني جاد في معظم تعاملاتي اجتماعيا ونجحت في فرض نوع من الالتزام بين أفراد أسرتي، ورغم أنني أتعامل مع جميع من حولي بصفتي إنسانا عاديا وليس نجما، فليس لشهرتي انعكاس على نفسي وشخصيتي فأنا إنسان عادي.

أسطورة

«أميتاب باتشان» البالغ من العمر 68 سنة هو نجم بوليوودي اسطوري، واحد اكبر رموز السينما الهندية وأقطابها ومن أشهرها في العالم وقام ببطولة أكثر من 180 فيلما. وتلقى عددا كبيرا من الجوائز الفنية الرفيعة في مشواره الفني، منها ثلاث جوائز سينمائية عالمية و12 جائزة سينمائية محلية، ويحمل لقب أكثر نجوم السينما الهندية ترشحا لجائزة أفضل ممثل، وبالإضافة لعمله في التمثيل عمل أيضا كمغن ومنتج ومقدم تلفزيوني، وانتخب عضوا في البرلمان الهندي من عام 1984 إلى عام 1987.

شعبية طاغية

باتشان الذي يتمتع بشعبية طاغية في الهند ولد ونشأ في الإقليم الشمالي «آتر بارديش»، وعاش في مدينة مومباي عاصمة ولاية «مهراشترا» الغربية، ابتداء من عام 1968 أي من 41 عاماً، عمل ككومبارس في بداية حياته الفنية خلال استعراض موسيقي غنائي قدمه عام 1963 قبل أن تأتيه فرصته الأولى على يد المخرج خواجة أحمد عباس في فيلم (الهنود السبعة) 1969 الذي لم يحقق النجاح المنشود، ثم بعد أدوار في أفلام متعددة جاءته الشهرة في فيلم (القيد)، وكان انتشاره ونجاحه في أفلام حققت إيرادات كبيرة مثل (كولي ـ أو الحمال) والعيش والملح، وشهدت فترة الثمانينات ازدهاره الحقيقي ليكون نجم التسعينات بلا منازع، ووُصف في أحد الاستطلاعات بأنه «نجم الألفية».

«بي الكبير»

يطلق الجمهور على أميتاب باتشان في دولة الهند المعروفة بشغف شعبها الشديد بالسينما، اسم «بي الكبير» حيث يؤكد مرارا وتكرارا على إخلاصه وولائه الشديد لمدينة مومباي.

ويقول باتشان عن مومباي: في هذه المدينة قابلت زوجتي وتزوجتها، وابناي الاثنان ولدا هنا، وقد اشتريت أول سيارة لي هنا، ومنزلي كذلك هنا، وهذه المدينة أعطتني صيتا وشهرة أكثر مما كنت أستحق.

ومن المعروف أن اميتاب باتشان تزوج بالممثلة الهندية جايابادوري وأنجب منها شويتا باتشان عام 1974، وابيشك باتشان عام 1976 الذي عمل بدوره كممثل أيضا وتزوج من ملكة جمال الهند السابقة والممثلة السينمائية أيشوارياراي.

حوار ـ أسامة عسل