تغفو أبلة ثريا فور ركوبها السيارة بصحبة «الدريول» سليم.. تلك الفرصة الوحيدة قبل استئناف معركة الدروس الخصوصية، التي لا تزال تخوضها مع ميثاء، بالرغم من التحاق الأخيرة بالجامعة، وانخراطها في مجال تخصص .. قد لا تكون أبلة ثريا سمعت به يوماً.
الطريق إلى بيت ميثاء يستغرق عشرين دقيقة، لا بأس.. إغفاءة سريعة على وقع قيادة «الدريول» المتأنية تشحن طاقة أبلة ثريا، وتمنحها فسحة الأحلام الوردية، التي انقطعت عن مداهمتها، منذ بدأت رحلة عناء، عنوانها الدروس الخصوصية، التهمت أخضر الحلم، وأبقت على يابس المشقة، للتذكير بأن الطريق أمام تحصين مستقبلها لا يزال طويلاً.
بانتظارها في المجلس.. وجبة غداء «إكسبريس» تحفظ العيش والملح الذي ذاقته للمرة الأولى، عندما كانت ميثاء في الصف السادس الابتدائي.. تحفظ البيت بكامل تفاصيله، تتجه من المجلس إلى غرفة الدراسة في الجهة اليمنى بعد الصالة.
مبادئ التسويق كانت في انتظار أبلة ثريا، أحد مساقات تخصص الإعلام والعلاقات العامة الذي تنخرط ميثاء في صفوفه، لم تدّع يوماً جهلها الإجابة على سؤال بادرتها به تلك الصغيرة، على الأقل من باب كسب الثقة، وإبقاء باب الرزق مفتوحاً أمام سيل العطاء الذي تُغدقه العائلة عليها منذ أن زارتهم للمرة الأولى..
تعلمتا معاً.. ونمت علاقة إنسانية تجاذبها شيء من المودة والتعود، حتى أصبحت أبلة ثريا من أهل البيت، في الفرح والحزن، ودخلت ضمن نسيجه العائلي، محتفية بالمناسبات السعيدة..
بدءاً بولادة صغار العائلة، مروراً بحفل تخرج ميثاء من المدرسة، وقتها كانت من صنع كعكة الاحتفال وأول من ذاق حلاوتها، ولا تزال تلك العلاقة تحظى بمزيد من التقارب، بفضل الدروس الخصوصية الأسبوعية، أما العائلة فاحتفلت بزواج أبلة ثريا مؤخراً في ساحة منزلها.. وشاركتها لحظات بهجتها بتكوين عائلتها الصغيرة، بعد أن غابت الكبيرة وحجبتها المسافات لدواعي الغربة. ليست أبلة ثريا البطلة، بل المدرس الخصوصي، الحالة عامة.. والظاهرة التي سادت المجتمعات العربية باعتبارها من إفرازات الوضع العام للتعليم، والمشكلة التي لا يمكن اختزالها في بضعة سطور، أو حصرها في زاوية ورقية..
حالة أطالت السينما والدراما في تحليلها، والسخرية منها، بينما هي شيء من وضع مادي أثقل كاهل المعلم، وأشياء أخرى من تكاسل ينخر كالسوس همم النشء، ويُخل باتزان هممهم نحو الاستقلال المعرفي والدراسي، بعض منتقدي الظاهرة يؤكدون أن ما يُقال في الفصل، يُعاد على الأسماع في الدرس الخصوصي، والإعادة الثالثة تكون على ورق الامتحان.
في الدول المتقدمة، يأتي المعلم من بين أفضل ثلاث مهن تحظى بالتقدير المادي والاجتماعي، بينما واقع الدول العربية يُشير إلى خلاف ذلك تماماً، فوسط التعليم طارد وظروف المعلم تُعد الأسوأ إذا ما قورنت بتحصيله العلمي، وفي دراسة بحثية أجرتها إحدى المناطق التعليمية بالدولة خلصت نتائجها إلى أن أحد الأسباب الحقيقية وراء عزوف الكوادر المواطنة عن الالتحاق بمهنة التدريس الواقع الاجتماعي، الذي لا يزال ينظر إلى مهنة التدريس بشكل دوني، مقارنة بالمهن الأخرى التي تحظى بتقدير مادي واجتماعي أكبر، إضافة إلى الأسباب الاقتصادية، باعتبار رواتبها غير مجزية ولا تتماشى مع متطلبات المهنة، فكان المدرس الخصوصي طوق النجاة الذي سيُنقذ المعلم، وينتشله من موج الحياة المثقلة بالديون والالتزامات العائلية.
لا لوم ولا عتب.. تلك حلقة هشة في سلسلة الوضع العام للتعليم..
و«من دق الباب.. ياه الجواب»!
