منذ اللحظة الأولى لدخولي الحياة الزوجية، صعقني ذلك الشاب الذي كان طيلة فترة الخطوبة يمثل لي زوج المستقبل المناسب، اكتشفت أنه ليس سوى ممثل بارع ومحترف، فبمجرد دخولنا قفص الزوجية سقط القناع عن وجهه الذميم، وأذاقني خلال بضعـ ليال أصناف العذاب واللوعة.
وجدت نفسي أمام حالة من الجنون المتعمد لرجل غير مكتمل الرجولة، أراد أن يتستر على نقصه برجولة مصطنعة تتجلى بضرب زوجته التي بالكاد أصبحت زوجة بالمعنى الشرعي والطبي للكلمة.
أصر بشدة على ضرورة عودتنا سريعاً إلى البلاد وكنت أكثر إصرارا، فقد كنت فزعة من تلك الكوابيس التي تتحرك أمامي، أريد أن أسرع إلى حضن والدتي وأخواتي باحثة عن النصيحة الصادقة. كثيرة هي الصور التي مرت بي ونحن في طريق عودتنا للوطن، ماذا سأقول لأمي وأخوتي.. ماذا سأقول لرفيقات الطفولة.. ماذا سأقول لصديقاتي في العمل؟
والدة زوجي عنوان آخر لمأساتي، كانت قد خصصت لنا غرفة لتكون بيت الزوجية وأوهمتني بأنني سأكون بمثابة ابنة لها، الواقع كان أكثر إيلاماً وأمضى.
قضيت أيامي الأولى حبيسة الغرفة المظلمة وحيدة، وكانت كلما حاولت التكلم معها رمقتني بنظرة مبطنة بابتسامة صفراء. استعلت واستكبرت على ألمي، أصغت إلى بعض معاناتي عندما أسررت لها بحقيقة ابنها، لكنها خاطبتني بلهجة آمرة «عليك بقبول الواقع كما هو» ثم أمرت الخدم ألا يتكلموا معي أو يدخلوا غرفتي، أرادت أن تقطع كل اتصال بيني وبين العالم خارج غرفتي.
بدأت أنهار وأتهاوى نفسيا جسديا وصحيا، وتم إيصالي إلى باب المستشفى بحالة إسعاف أربع مرات خلال فترة الخمسة وعشرين يوما التي قضيتها في «زنزانة» الزوجية.
كان «زوجي المزعوم» قد بدأ بمساومتي على مجموعة طلبات وشروط، تبدأ بسلب راتبي الشهري وتمر بمجموعة من الالتزامات المالية أضعها في جيبه وأقوم بسدادها.
تمر الليالي السوداء ثقيلة، والأيام المظلمة تزداد تعاسة. ويعود ما يسمى «زوجي» إلى غرفتي في الثانية والنصف صباحا مترنحا تفوح منه رائحة العطور النسائية التي تزدحم خزانته بأنواعها يدفعني.. يصفعني ويبدأ بجرعة الشتائم المعهودة التي أبدع في اختيار أصنافها. في تلك الليلة كانت الجرعة بليغة لأنها وصلت لحد سب والدي المتوفى. عندما أشرق الصباح كنت قد حزمت أمري على مغادرة «الزنزانة» بأي ثمن ووسيلة والوصول إلى أقرب شاطئ للحياة، لأكشف حقيقة وضعي لمن أثق بهم ويمكنهم مساعدتي.
كان ذلك اليوم بمثابة صاعقة عصفت بكل أحلام الحرية، فقد كان علي مراجعة المستشفى بخصوص حادثة الانهيار العصبي التي تعرضت لها من قبل، وبالفعل ذهبت للمستشفى، ويا لهول المفاجأة.. مبروك أنت حامل.
وتأتي الساعة الموعودة، وحيدة في ردائي الأبيض على سرير أبيض في غرفة أبحث بين الوجوه عن وجه والد طفليّ التوأم فلا أجده. كنت واحدة فأصبحنا ثلاثة، وعقدت العزم أن أبقى لهما على قيد أمومتي. وسوف أعمل حتى آخر نفس في عمري لأوفر لها حياة كريمة سعيدة، فهما زهرات حياتي التي تفتحت.
نسرين علي
