من بين الشواهد التي تميز تحضر الشعوب، هو النظام الذي تعتمده وتعمل به المؤسسات الحكومية والخاصة في إنهاء معاملات المراجعين، وليس ببعيد عن ذاكرتنا تلك الطوابير التي كانت تتكدس أمام نوافذ تخليص المعاملات في مختلف المؤسسات الخدمية، وتلك المشاحنات التي كانت تحدث بين أصحاب المعاملات، وعلى الجانب الآخر من هذه المشاحنات كانت تروج المحسوبيات والوساطات لصالح البعض وعلى حساب وقت البعض الآخر.
الوساطة داء استحكم لسنوات وعقود طويلة على سلوكياتنا في العالم العربي بشكل عام، صحيح أن الوساطة موجودة بنسب مختلفة في معظم دول العالم والشرق الأوسط على وجه الخصوص، وصحيح أن الوساطة في بعض الدول تكون مؤشرا لانتشار الرشوة بين أفراد المجتمع، سواء كانت الوساطة بهدف الحصول على وظيفة مثلاً أو للتعجيل بتخليص معاملة ما، ونحن في هذه السطور نتعرض للوساطة في تخليص المعاملات داخل الدولة، خصوصا وأن ظاهرة الطوابير والتكدسات قد انتهت من معظم أروقة المؤسسات الحكومية والخاصة، وحلّ مكانها نظام الأرقام الذي يوفر العدالة بين جميع المراجعين. والحق أن هذا النظام يقضي تماما على كل محاولات الوساطة أو يحد منها، أو أنه على أقل تقدير يكشفها أمام المتابعين، الأمر الذي يجعلنا نتساءل لماذا تتقاعس بعض الجهات الحكومية عن تطبيق هذا النظام الحضاري في إداراتها؟
خصوصاً وأن هذه الإدارات أو معظمها تتعامل مع جنسيات من مختلف دول العالم، بما يعني رسم صورة جميلة وراقية عند كل المراجعين بمختلف جنسياتهم.
لربما نحتاج في هذه السطور لأن نكون أكثر شفافية ونحن نتعرض لهذا الموضوع، وإذا كنا نلقي باللوم على بعض المؤسسات الحكومية من دون تسميتها، والتي لا تراعي تطبيق هذا النظام، فذلك لأن معظم الدوائر الحكومية المحلية قد راحت تنافس القطاع الخاص الذي تزعّم هذا التوجه وطبق نظام الأرقام، وكان قطاع البنوك في مقدمة القطاع الخاص.
وكما قلنا إن الدوائر الحكومية المحلية تلقفت هذا النظام بسرعة البرق، وطبقته في مكاتبها الخدمية التي تتعامل مع الجمهور، بل إن معظم هذه الدوائر برعت في تطبيق النظام وتقدم الخدمة للجمهور بصورة حضارية لا يخطئها العقل ولا تنكرها العين، صحيح أن بعض الدوائر لا تزال تراوح بين النظام الجديد ونظام الطوابير، إلا أن الواضح للعيان ابتعاد بعض الوزارات الاتحادية عن تطبيق هذا النظام، مما يعني تفشي ظاهرة الوساطة، والتعدي بشكل غير لائق على حقوق المراجعين الذين يثابرون في الطوابير بانتظار أدوارهم.
صدمة أولى
عندما طرحنا فكرة تناول الوساطة في تخليص المعاملات في ظل اعتماد نظام الأرقام في معظم الدوائر الحكومية والقطاع الخاص، وشرعنا في العمل الميداني، اصطدمنا بما رأيناه ولمسناه في إحدى الوزارات الاتحادية، حيث لا توجد بالمرة أية آلية تنظم تخليص المعاملات حسب الأولوية، وترك المسألة للفهلوة والتدافع وبالطبع للوساطات.
وعندما توجهنا للمسؤولين مستفسرين، حصلنا على أجوبة غير رسمية، أي غير صالحة للنشر بدعوى عدم حصولنا على إذن مسبق من الوزارة، غير أن الأجوبة كانت تؤكد على وجود نظام الأرقام، لكنهم لا يعملون به إلا في الأيام التي تشهد ازدحاما كثيفا من المراجعين، وفي كل الأحوال ها نحن نطرح المسألة أمام الجمهور ليدلي برأيه، وما إذا كان يجد في نظام الأرقام آلية مريحة في تخليص معاملاته، وهل قضى هذا النظام على الوساطة؟.
يقول محسن كامل- موظف-: لاشك أن تقنية الأرقام التي تنظم عملية تخليص المعاملات، قد قضت على كثير من مظاهر الوساطات التي كانت تعج بها منافذ خدمة الجمهور، وأظن أن هذه الآلية، إضافة إلى أنها تعطي لكل ذي حق حقه، فهي قبل ذلك تعكس الوجه الحضاري للدولة والشعب في آن واحد، والجميل أن تطبيق هذا النظام يستتبعه توفير مقاعد لجلوس المراجعين، وانتظار ظهور أرقامهم على اللوحة مع ظهور رقم الشباك الذي سيتوجهون إليه، فهل بعد ذلك خدمة تفوق هذا النظام في تخليص المعاملات؟
واحترام المراجعين ووقتهم بهذه الكيفية الراقية؟، أما أن تعود بنا بعض الجهات إلى النظام القديم، فهذا أمر لا يليق في عصر التقنية والتقدم، وما يشهده العالم من متغيرات عامة.
تعميم التقنية
وفي نفس السياق يرى الفنان التشكيلي نبيل محمد أن عدم تعميم تقنية الأرقام في الجهات الحكومية التي تتلقى معاملات من الجماهير، أمر يدعو للعجب، يقول: أنا أحترم النظام في أي مكان، والتزم بالتعليمات ولا أعرف كيف أزاحم الآخرين لقضاء حاجة أو معاملة، بل أنني لا أعرف كيف أدافع عن أحقيتي النظامية عندما يسطو عليها البعض في الطوابير، لأنني ببساطة لا أجيد الفهلوة.
ولذلك أرى في النظام الجديد طوق نجاة لأمثالي، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد عانيت من الوساطة التي رأيتها بأم عيني وهي تعطي للبعض ما لا يستحقونه على حساب الآخرين، وكم هو مؤلم أن ترى أحدهم يأتي بعدك بساعات ويقضي حاجته ويذهب، بينما تظل أنت في صراع مع الوقت لكي تنجز معاملتك.
ويقول طارق الشقنقيري ؟ موظف-: معروف أن الوساطة في جميع المجالات تشكل مشكلة خطيرة على المجتمعات، لأنها بكل بساطة تعطي من لا يستحق على حساب من يستحق، وبذلك تخلق حساسيات بين أفراد المجتمع، أما ما يخص الوساطة في تخليص المعاملات، فهي إن كانت أقل خطورة، إلا أنها أيضا لها سلبياتها على نفوس المراجعين، لأنها تأتي على حساب أولوية الحضور إلى منافذ إنهاء المعاملات.
فهناك الكثيرون ممن يلتزمون بالحضور مبكرا لإنهاء إجراءاتهم، حتى يتسنى لهم مباشرة أعمالهم اليومية، إلا أنهم يصطدمون بأشياء تنغص عليهم يومهم، كأن يأتي أحدهم من متأخرا ويسطو على دورهم دونما استئذان ويدخلون مباشرة على المسؤولين وينهون معاملاتهم، والحق أن نظام الأرقام الذي يستخدم أخيرا، قد قضى على كثير من أشكال الوساطة، لكنه قبل ذلك يعكس الفكر المتحضر عند الإدارات الخدمية التي تعتمده.
داء يجب استئصاله
وفي نفس الاتجاه يقول عمرو مجدي ؟ موظف-: قد أكون على عجلة من أمري وأنا أنهي معاملة في إحدى الدوائر، وقد أحتاج لمن يساعدني ولكن من الجمهور، قد أستأذن من هو أمامي وأنتظر بطريقة محترمة موافقته، وبالطبع يحدث كثيرا أن يستأذنني البعض لأعطيهم فرصة قبلي، لكن الوساطة بمفهومها الذي نعرفه إنما هي داء يجب أن نقضي عليه.
وللأسف فإن بعض الذين يعتمدون على الوساطة قد أصبح الأمر عندهم عادة متأصلة، ويعتمدون على الوساطة حتى في الأمور البسيطة التي لا تحتاج إلى وسيط، ويبدو أن المسألة بالنسبة إليهم ما هي إلا نوع من الوجاهة والتباهي، وأعتقد أن النظام الحديث المتبع في الدوائر الخدمية، قد قضى نسبيا على هذه الظاهرة، والمهم أن يعمم النظام في كل الدوائر والمكاتب التي تقدم خدمة للجمهور، لأنه شكل من أشكال التحضر، ووسيلة من وسائل تهذيب نفوس بعض المراجعين وإصلاح طريقة تفكيرهم.
الدوائر الحكومية تنافس القطاع الخاص بنظام الترقيم
من المشاهد الحضارية التي تظهر في أغلب المؤسسات الحكومية شيوع نظام العمل بالأرقام في تخليص المعاملات حيث باتت معظم الدوائر الحكومية المحلية تنافس القطاع الخاص الذي بدأ بهذا التوجه وطبق نظام الأرقام.
وكان قطاع البنوك في مقدمة القطاع الخاص، حيث تلقفت الدوائر الحكومية المحلية هذا النظام بسرعة، وطبقته في مكاتبها الخدمية التي تتعامل مع الجمهور، بل إن معظم هذه الدوائر برعت في تطبيق النظام وتقدم الخدمة للجمهور بصورة حضارية واضحة ومميزة.
عز الدين الأسواني


