التقطت سيجارة إضافية وأشعلتها نافثاً دخانها في الهواء، كنت وقتها مثل أي أعزب يكسل عن تجهيز الطعام فيلجأ إلى السيجارة التي تمنحه شعوراً كاذباً بالشبع، إلى حين انتهاء الدوام فأسرع إلى أحد مطاعم الوجبات السريعة لتناول ما لذ وطاب من هذا النوع من الأطعمة.

إلا أن شعوراً بانسداد الحلق دام عدة أيام، ومنعني من تناول الطعام أو حتى شرب المياه دفعني إلى استشارة أحد الأطباء الذي أطال النظر في حلقي وسألني عن عدد السجائر التي أدخنها يومياً، ثم نصحني بضرورة إجراء بعض صور الأشعة لاستكشاف هذه المنطقة، وعندما سألته عن التشخيص قال في ثقة وأسى أنه يشك في وجود خلايا سرطانية في الحنجرة بسبب الإفراط في التدخين.

كان التشخيص صعباً على كلينا.. الطبيب والمريض، ولكنني تظاهرت بالتماسك، وقلت له إن كل التحذيرات من التدخين تنصب على الوقاية من سرطان الرئة الذي تسببه السيجارة، ولكن نادراً ما سمعنا عن إصابة بسرطان الحنجرة، وغادرت العيادة أحمل طلب الأشعة وحزناً على العمر الذي ضاع في التدخين عازماً على التوقف فوراً عن هذا العبث.

وكعادة بني البشر، إذا لم يعجبهم قرار أو رأي بحثوا عن الآراء الموازية عسى أن يجدوا فيها ما يؤيد وجهة نظرهم أو يمد لهم في الأمل عسى أن يكون التشخيص الأول خاطئاً أو متسرعاً.. في اليوم التالي أسرعت إلى طبيب آخر، كرر نفس الإجراءات ثم أفادني بتشخيص آخر مختلف تماماً عن الأول ولكنه أقل تشاؤماً منه، اتخذت قراراً بضرورة استشارة طبيب ثالث، الذي أجرى عدة فحوص أثبتت أن المشكلة أبسط بكثير مما رآها الطبيبان السابقان، ووصف لي بعض الأدوية التي أعادت لي وضعي الصحي إلى سابق عهده وشفيت تماماً بإذن الله.

في هذا اليوم حسبت كم من الوقت مضى على توقفي عن التدخين فوجدت أنني أمضيت شهراً كاملاً بدون سيجارة، كان هو الشهر الذي نعمت خلاله بنوم عميق وشهية مفتوحة للطعام، وشعور براحة غريبة لم أعهدها في الجهاز الهضمي، كما عادت ظواهر طبيعية للأداء اليومي كنت نسيتها منذ بدأت هذه العادة السيئة، أهم هذه الظواهر هي عودة اللسان إلى تذوق الطعام واسترجاع الأنف لحاسة الشم واستعادة العقل لملكة التفكير الصافي والإدراك المباشر دون تشويش.

زرت الطبيب الأول صاحب التشخيص الخاطئ في عيادته مرة أخرى.. استقبلني بترحاب متسائلاً عن حالتي الصحية، شكرته بحرارة وأجبته أن الله كتب لي الشفاء على يده، ليس من المرض ولكن من السيجارة!!

أيمن حجازي